إضافة رد
  #1  
قديم 05-08-2013
الصورة الرمزية أنا فهمتكم
أنا فهمتكم
كُلُّ الذي فوقَ التّرَابِ.. تُرَابُ.

 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
الدولة: الولايات المتحدة العربية
المشاركات: 3,049
شكراً: 5,589
تم شكره 8,778 مرة في 2,092 مشاركة
أنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعة
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى أنا فهمتكم

أنا فهمتكم غير متواجد حالياً

 
بسم الله الرحمن الرحيم

لا أذكر منذ متى وأنا أحلم بهذا اليوم، يوم زيارة تلك الأرض التي لطالما نسبني لها الجميع حيث كطفل لم أفهم، فأنا وُلِدت في الكويت كيف لي إذن أن أنتمي لغيرها؟ الشيء الذي جعلني مزدوج الانتماء: أرض أعرفها وعشت عليها بحلوها ومرها لكنها ترفضني، وأرضٌ أخرى تستقبلني بالأحضان رغم أني لم أزرها يوماً لكنها مستعدة لمسامحتي وفتح صفحة جديدة. تخطيطي لزيارة أرض الأجداد نشأ منذ أيامي في المرحلة الدراسية الثانوية لكن منذ حينها لم تسنح لي الفرصة للذهاب وقلت لعلها خيرة، وكانت بالفعل! كانت الشكوك والأوهام تراودني حتى في يوم السفر، هل حقاً سأذهب إلى هناك؟ كيف سأشعر عندما أصل؟ هل ستناسبني الحياة هناك؟ هل سأشعر بالملل؟ حتى أني لم أجلب مع أي ملابس سوى التي أرتديها كما جلبت معي جهاز البلاي ستيشن المحمول ظناً أني سأستخدمه كثيراً.

كانت فكرة تدوين يومياتي خلال الرحلة من اقتراح عادل، ابن أخي الأكبر فهد. كان عادل مرافقي في هذه الرحلة حتى قرب نهايتها، لم أتذكر اقتراحه سوى في موعد خروجي إلى المطار حيث أخذت معي أحد الكشاكيل القديمة الفارعة وقلم حبر من الدكان على عُجالة، كم أنا سعيدٌ أنني فعلت! فقط يوجد بضعة نقاط يجب معرفتها عن اليمن قبل البدء بقراءة الموضوع سألخصها في التالي:

1. سياسياً: كانت اليمن مُنقسمة إلى دولتان، دولة الشمال وعاصمتها صنعاء ودولة الجنوب وعاصمتها عدن. تاريخياً كانت تُعرف الشمال بأرض اليمن وتبدأ من عسير شمالاً إلى تَعِز جنوباً، كما كانت تُعرف الجنوب تاريخياً بأرض حضرموت وتمتد من ظفار شرقاً إلى باب المندب غرباً. في عام 1990، قامت الوحدة بين الشطرين حيث كان رئيس الشمال علي عبدالله صالح ورئيس الجنوب علي سالم البيض، أصبح الأول رئيساً للجمهورية والثاني نائباً له، لكن الوحدة لم تستمر ففي عام 1994 قامت الحرب الأهلية بين الشطرين ومن وقتها أصبحت الأراضي الجنوبية غنيمة حرب للحكومة المركزية في صنعاء أي أن من وقتها وحتى يومنا هذا الوحدة شكلية فقط وهذا ما لحظته فور وصولي إلى أرض الجنوب بداية من لحج حيث يُكن الجنوبيون البغضاء للشماليون ويطلقون عليهم اسم "الدحابشة" كما تنتشر أعلام دولة الجنوب في جميع المناطق الجنوبية وهي رمز للمطالبة بفك الارتباط، مطلب نشط في العامين الأخيرين على يد حزب الحراك الجنوبي الذي يترأسه الرئيس السابق للجنوب، علي سالم البيض، حيث تمت سرقة جميع الموارد الاقتصادية لأرض الجنوب وانهارت العملة الجنوبية بعد أن كان الدينار الجنوبي من أقوى العملات في العالم حيث نافس الدينار الكويتي وغيرها الكثير من العوامل التي نشّطت بدورها حركة الهجرة لأبناء الجنوب خصوصاً فنجد الكثير من الحضارم والشبوانيون والمهرة في دول الخليج والغرب. حالياً تجري دراسة في مؤتمر الحوار الوطني تهدف لإعادة تنظيم الدولة بحيث تصبح دولة بنظام إقليمي فيدرالي، كأمريكا والإمارات.

2. تاريخياً: قامت على أرض اليمن الكثير من الحضارات الضاربة في القِدم، فهناك حضارة سبأ وحضارة مْعين وحضارة حضرموت وحضارة قتبان وحضارة حِميَر وحضارة أوسان وحضارة دمت وحضارة جُبان وحضارة نجران وحضارة كِندة وحضارة هَرِم وحضارة نشق وحضارة دَيدان وكثير من الحضارات من العُصور الجاهلية التي لم يُكشف عنها السِتار. يعود أقدم تدوين تاريخي للحياة البشرية في اليمن للألفية الثالثة قبل الميلاد حيث لم تكن هنالك حضارات معروفة سوى في أرض اليمن وبابل – تحتفظ الكثير من المناطق اليمنية حتى يومنا هذا بمسمياتها التاريخية، وهذه هي المحافظات اليمنية لليمن الحديثة: (الشمال) صنعاء، مأرب، عمران، صعدة، الجوف، حِجّة، الحُديدة، المحويت، رَيمْة، إب، ذمار، تَعِز، البيضاء (الجنوب) عدن، الضالِع، لحج، أبين، شبوة، حضرموت، المهرة. حكم اليمن على مر العصور حضارات غير عربية منها الأحباش والفُرس والروم.

3. اجتماعياً: مع نهاية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، استعمرت بريطانيا أرض الجنوب حيث كانت عدن عاصمةً لها لإدارة مستعمراتها الأخرى في الوطن العربي، خلال تلك الفترة، امتزجت الثقافة الإنجليزية والثقافة الهندية بفضل جلب الإنجليز للجنود والتجار من الهند التي كانت أيضاً مستعمرةً لهم إلى عدن، لهذا تخالطت الثقافات تلك مع الثقافة العربية الجنوبية لأهل عدن ونشأت ثقافة جديدة في المأكل والملبس وحتى الأشكال والمفردات اللغوية من الجانبين، فهنالك في الهند والكثير من دول شرق أسيا اليوم كماً كبيراً من الحضارم الذين نشروا الإسلام واللغة العربية من الفيليبين شرقاً إلى موريتانيا غرباً لهذا يرتدي أهل الهند وإندونيسيا وغيرها الإزار "المعوز" اليمني والعمامة ولهذا أيضاً يأتي الآلاف من طُلاب العلم سنوياً إلى تريم حضرموت. الأمر لا يختلف كثيراً في الشمال، فبعد الحُكم العُثماني لصنعاء وغيرها نشأ تخالط جديد في الثقافات أيضاً لكن لم تتأثر كثيراً كما تأثرت عدن وما يُجاورها.

4. جُغرافياً: خريطة اليمن الموحدة "شكلياً" تطل على ثلاث مسطحات مائية، بحر العرب ويطل على المهرة وحضرموت وشبوة، خليج عدن ويطل على أبين وعدن ولحج، والبحر الأحمر ويطل على تَعِز والحُديدة وحِجّة. أرض اليمن عموماً أرض جبلية بمجملها، المحافظات الشمالية تقع على سفوح الجبال لهذا درجة الحرارة منخفضة هناك طوال العام خصوصاً في صنعاء التي تُعتبر أرفع عاصمة عربية للسحاب حيث يقع بها جبل النبي شُعيب وهو أعلى قمة جبلية في شبه الجزيرة والشام حيث تزيد طول قمته عن 3710 كيلو متر فوق سطح البحر، أما إقليم تُهامة "حِجّة والحُديدة" فهو شديد الحرارة بسبب بناء المُدُن على الساحل المُنخفض عن مستوى الجبال. الأمر ينعكس تماماً في المحافظات الجنوبية فأهل الجنوب يبنون في الوديان والأراضي المستوية ويهجرون الجبال، فعدن مثلاً، رطوبتها تساوي رطوبة جِدّة بفضل أن عدن عبارة عن شبه جزيرة، أما المُكلّا فتقل بها نسبة الرطوبة تدريجياً حيث تنعدم الرطوبة في الشِحر المقاربة لها على نفس خط الساحل بفضل علوها حسب خط الاستواء وحركة دوران الكرة الأرضية – تختلف درجات الحرارة وارتكاز الأشعة الشمسية من منطقةٍ لأخرى، فمثلاً في محافظة حضرموت، أكبر المحافظات مساحة، يوجد ثلاثة أقاليم: إقليم الساحل المُطِل على بحر العرب، وإقليم الوادي أو حضرموت الداخل، وإقليم الصحراء وهي جزء من إقليم الرُبع الخالي المُشترك بين حضرموت وعُمان ونجد وأبو ظبي.



خريطة اليمن الحديثة، الموحدة شكلياً (من Google)


خريطة اليمن الكاملة تاريخياً (من Google)


خريطة توضح أقاليم حضرموت الثلاث ومُدُنها المركزية


والآن بعد أن تعرفتم على ما يمكنكم توقعه، يُرجى العلم بأني قد قمت بكتابة هذه اليوميات بعفوية ودون أي تحضيرٍ مُسبق. بعض المعلومات التاريخية التي ستقرئونها تركت لها فراغاً في التدوين حتى أتأكد منها وقد فعلت، أي أن جميع المعلومات صحيحة إن شاء الله، وبالنسبة إلى الصور فقد انتقيت النخبة من بين أكثر من 860 صورة حيث استخدمت في التصوير كاميرا أوليمبوس رقمية وهاتفي النقال سامسونغ جالاكسي إس 3 بعض الأحيان، أيضاً استعنت قليلاً بكاميرة هاتف عادل النقال من نوع آيفون 4 – بعض الصور سيئة الجودة وبعضها قمت بقص أجزاء منها، أما الصور البانورامية فقد قمت بإعادة تحجيمها حتى تتناسب مع عرض شاشة الواينتي؛ في حال أعجبتكم أحد تلك الصور يُرجى مُراسلتي حتى أقوم برفع الصورة بحجمها الطبيعي.




اليوم الأول: الأربعاء 3-4-2013





حطّت الطائرة في مطار صنعاء الدولي في الثامنة مساءاً، المطر توقف للتو والجو شديد البرودة، لم أصدق الزملاء حينما قالوا لي أنّ علي أن أجلب ملابس شتوية فصُدِمت حينما نزلت من الطائرة. كان بانتظاري ثلاث من معارفي في المدينة تدافعوا جميعاً للقيام بالواجب، صعدت وإياهم سيارة النيسان ذات الدفع الرُباعي وخرجنا من المطار إلى شوارع صنعاء المُمطِرة والتي ترتدي أجمل عباءة أراها في حياتي حتى الآن، حرمتني تلك العباءة من رؤية محاسنها لكن لا بأس، فأنا على موعدٍ غداً مع بريق الشمس. في الطريق أوقفتنا حوالي 7 نقاط أمنية، فهذه الفترة تشهد العاصمة تشديداً أمنياً بسبب جلسات الحوار الوطني التي يشارك بها جميع أطياف المجتمع لحل المشكلات السياسية المتعددة.

وصلنا إلى بيت إبراهيم الجابري، صديق مرافقي عادل من أيام الدراسة الجامعية في عدن وهو من أسرة ثرية في محافظة الضالع وهو حالياً يدرس الطب في جامعة صنعاء، يعيش وحيداً في هذا البيت الضخم. الشارع الداخلي ينعدم فيه التخطيط فمياه الأمطار امتزجت برمال الطريق وأصبحت طريقاً من الوحل السميك – رغم بشاعة الطريق وظلمته لفت انتباهي جمال المنازل الحديثة الفاخرة في هذا الحي الحديث. بعد أن صليت المغرب والعشاء جمعاً بسبب السفر، قدم لنا إبراهيم العشاء حيث كان عادل يشعر بالدوار. كان العشاء رائعاً، كبدة مع الشتني وخُبز الملوّح، لم أذق في حياتي خبزاً بهذه اللذة والبساطة، قمة التناسق بين طعم العجين واللهب.

من العادات هنا تخزين القات، وللقات طقوسٌ مُعيّنة أجهلها بطبيعة الحال – علمني إبراهيم تلك الطقوس والآداب وكأنها طقوس لفتح بوابة لعالمٍ آخر. خزّنت أوراق القات، واحدةً تلو الأخرى، بعد دقائق قليلة اختفت معالم الدوار تماماً من على ملامح عادل الذي جاء صباح اليوم بالطائرة من عدن خصيصاً لاستقبالي، بدأ بالحديث والمزح وكأن شيئاً لم يكُن! الآن أنا مخزن لفترة لا أعلم ربما لساعتين حتى الآن، أريد أن أعرف ما هو الشيء المُميز والإدماني بخصوص هذه النبتة مُرّة الطعم. حتى الآن لم أشعر سوى ببعض النشاط وكأن بإمكاني أن أحرر فلسطين وحدي بسكين مطبخ. أريد أن أكتشف بقية أسرار هذه النبتة لربما تبرز العلامات الأخرى مع استمراري في "البحشمة"، حينها ربما "تقرح".

الآن سأذهب لصلاة الفجر، تحدثنا في السياسة منذ الحادية عشر وفرغنا قبل قليل، لم أشعر بالوقت ولأول مرة منذ أيام الثانوية لم أشعر بأن رأسي ثقيلة متخمة بالهموم والهلوسات، عقلي خفيف الوزن جداً كما كان أيام المراهقة حينما لم تكن تؤرقني هُموم الحياة. أريد فقط أن أذكر شيئاً واحداً قبل الصلاة والنوم: اليوم لم أشعر حقاً أني قد سافرت لدولةٍ أخرى، شيء غريب حقاً رغم الاختلاف الشاسع بين الكويت واليمن، لم أشعر أني في بلدٍ أزورها للمرة الأولى مُطلقاً، أشعر وكأني قد كنت هُنا في السابق، بعقلي ثقيل الوزن في السابق رُبما – لا أعلم حقاً هل أصبحت رأسي أخف وزناً أو أقل عبئاً بفعل القات أم بفعل لقاس الجميلة الساحرة صنعاء؟ بعد النوم سيكون موعدي إن شاء الله لرؤية ما تُخبيه تلك الجميلة الخجول تحت عباءة الليل، فقط آمل أن أستيقظ قبل غروب الشمس.



تجربة للكاميرا – الخطوط الجوية الكويتية


تحركت الطائرة إلى منصة الإقلاع مع أذان المغرب


فوق سماء مدينة الدمّام




اليوم الثاني: الخميس 4-4-2013

الحادية عشر ظهراً، في مثل هذا الوقت في الكويت تكون أشعة الشمس حارقة بشكلٍ لا يُطاق، ما يجعلك تُفكر مجدداً بأمر الخروج من المنزل، لكن تلك الكويت وليست صنعاء الكائن بها أعلى قمة جبلية في شبه الجزيرة والشام. الهواء رائع وأشعة الشمس حنونة، سأصلي الظهر ثم أنطلق إلى شارع الزُبيري لأحد مطاعم المندي التي يعمل بها أحد أقاربي، بعدها سنذهب إلى المدينة التاريخية صنعاء القديمة لشراء الهدايا وبعض الملابس المحلية لكي أرتديها وبهذا أصبح مواطناً حقاً.

الثامنة والنصف مساءاً، عشت اليوم يوماً لن أنساه. انطلقنا بعد صلاة الظهر إلى شارع الزُبيري، في الطريق إلى الشارع لاحظت الفوضى المرورية في جميع الشوارع، ففي أحد التقاطعات مثلاً، وجدت عامودين كبيرين يثبتان الجسر، في منتصف التقاطع! ولا يوجد إشارات لتنظم حركة السير، على جميع السائقين أن يصنعوا طريقهم بأنفسهم، والعجيب أنه لا تقع أي حوادث! كان سائق التاكسي يضرب "الهون" لسائق التاكسي الذي بجوارنا، لكن سائق التاكسي الآخر تجاهله وتجاوزه، فقال له سائق التاكسي الذي نحن فيه: "على ماذا أنت مستعجل ياخي؟"، فرد عليه الآخر: "أشتي أتغدى!" – هذه العفوية والسلمية التي شهدتها في أكثر من موقف اليوم أنا غير مُعتاد عليها، ففي الكويت إن حدث موقف كهذا بالتأكيد أحد السائقين سينزل ليلقن الآخر درساً بل ربما لن يكتفي بالدرس وسيمد يده عليه أيضاً!

وصلنا إلى مطعم "شبوة" للمندي، قدم لنا قريبي أفضل مكان لنأكل به بعدها قدم لنا التحلية ومكاناً آخر لنتسمر به. بعد فروغنا، انطلقنا إلى مدينة صنعاء القديمة، أصل صنعاء وأساسها حيث أن جميع ما هو مبني خلف سور المدينة العتيقة "باب اليمن" يُعتبر صنعاء الحديثة. المكان حقاً مُزدحم، في العادة يأتي الكثير من السُياح الأجانب إلى هنا لكني لم أقابل اليوم سوى القليل من السياح والمقيمين العرب. المدينة تفوح بالأصالة والتاريخ، بداية من بوابة باب اليمن إلى الأبنية الجميلة إلى النساء العجائز اللاء يرتدين العباءة الصنعانية متعددة الألوان.

أريد أن أشتري بضعة حاجيات: عقيق ومسابح وجنبية "خنجر"، لم تناسبنا أسعار العقيق في بعض المحلات لكننا وُفِقنا في النهاية بأحد المحال حيث تعرفت على الأخ فارس وهو حوثي من مُحافظة صعدة والذي كان يحلف أنه قابلني في السابق لكنه عندما علم أنها الزيارة الأولى لي للبلاد حسب لي جميع المُشتريات بنصف السعر تقريباً وأهداني حجر عقيق أحمر "أفخر نوع" من الحجم الكبير بالإضافة لعلاقات مفاتيح محلية تذكارية. عندما علم فارس أني من هواة التصوير، أصر على أن يأخذني إلى مكان استراتيجي للتصوير في وسط المدينة. أخذنا فارس إلى مبنىً عتيق جميل جداً من الداخل والخارج، هذا المبنى كان في السابق مصرف الإمام، حاكم اليمن قديماً. يحرس باب سطح هذا المبنى الطيني رجُل عجوزٌ مرح كان يقول ويُردِد خرافة بأن إسرائيل عرضت على اليمنيون المطرودون من السعودية فرصة الإقامة والمواطنة وكيف أن هذه الفعلة عار على المسلمون العرب الجيران. صعدنا إلى السطح وكان خلفنا ثلاث شبان يريدون التصوير من هناك لكن الحج كان يرفض دخولهم كونهم لا يمكلون حق تعريفة الدخول، لكن فارس أقنع العجوز بأن يدخلهم معنا. هذا السطح يطُل على المدينة كاملة وأخذت بعض الصور من هُناك – جميلٌ جداً ذاك المكان، على جميع زوار صنعاء الذهاب إليه.

أخذنا فارس إلى أحد أصدقائه من باعة الجنابي "الخناجر" وابتعت منه واحدة ثم انطلقنا إلى بوابة اليمن التي دخلنا منها إلى المدينة القديمة. تعرفنا على سائق أجرة يُدعى سِراج وهو تُهامي "من مُحافظة الحُديدة" والذي لم يتوقف عن الحديث طوال طريقنا إلى متجز العِزّاني الشهير هُناك. سِراج شخص مثقف يتحدث الانجليزية والإيطالية، حدثنا عن اغترابه حول العالم، بدايةً في الصين، ثم فرنسا، ثم السعودية التي كان يعمل بها في قناة الـ CNN الأمريكية حيث استوقفه العسكري في المطار عندما علم أنه "أبو يمن" فطلب من إذلالاً أن يخلع حزام بنطاله كون جهاز كشف المعادن يصدر تحذير – بعد المناوشة علم العسكري أنه قدم لمقابلة السفير الأمريكي، حينها اعتذر منه أشد الاعتذار! وصلنا إلى متجر العِزّاني حيث ابتعت من هُناك الملابس اليمنية التقليدية: العصرة "الإزار" والعمامة "الشماغ" والشميز "القميص" والنجدية "النعال" والكَمَر "الحِزام ذا الجُيوب". بعدها، ذهبنا إلى مطعم "أسد الشام" لتناول العشاء، وأخيراً عُدنا إلى المنزل وانتهى هذا اليوم بسهرة أمام التلفاز الذي لم أشاهده منذ فترة.

أهم ملاحظاتي مما رأيته حتى الآن فضلت أن أتركها كخاتمة لليوم: وجدت في صنعاء شيئاً عجيباً حقاً، لم أشهد هذا الشيء في حياتي قط إلا الآن – منذ أن قدمت إلى هذه البلاد وحتى الآن لم أرى أي رجُل ينظُر إلى امرأة! النساء هنا بارعات الجمال خُلُقاً وخِلقة، جمال طبيعي تماماً لم أقابل ولو واحدة تضع مساحيق التجميل! النساء ليسُنَّ بشعات حتى يتغاضاهُن الرِجال وهُن مُتواجدات بكثرة في جميع الشوارع من الصباح إلى المغرب، فقررت أن أسأل عن السبب، جاوبني أحدهم: أنها "القبَلَة"، يعني ليست من شيم ابن القبيلة أن يعاكس ابنة عمه – رغم هذا، يتعايش الذكور والإناث بكُل تناغُم ولا يوجد أي تشدُد أو نظرة دونية للمرأة لكونها مرأة، النساء يخرُجن منفردات أو في جماعات ولا يحصلن على أي مُضايقة – بارك الله في شعب بهذه المبادئ والأخلاقيات.

سأنام بعد قليل، غداً سأصلي الجمعة بملابسي التقليدية الجديدة في أكبر مساجد اليمن، مسجد الصالح، بعدها إلى القلعة العتيقة دار الحجر – تصبحون على خير.



أحد أحراج صنعاء، صورة من أمام المطعم


باب اليمن، بوابة مدينة صنعاء القديمة




الهندسة الصنعانية بارزةً بجميع محاسنها هُنا


معصرة لإنتاج زيت السمسم المحلي




إكسسوارات نسائية صنعانية من الفضة والذهب الأبيض والأحجار الكريمة


هكذا هي شوارع صنعاء القديمة، لا يوجد سيارات تتجول بها


فارس مع أحد بناته الجميلات، تاجر عقيق حوثي من مُحافظة صعدة




مصرف الإمام، في قلب المدينة


لا يوجد منازل مُهملة هُنا، جميع المنازل مُرمّمة


سعياً لمُعانقة السحاب


قيلولة هُنا، بعيداً عن ضوضاء السوق


تلك المآذن تُصدِر أعذب الأصوات!




الحج حارس السطح، رفض أن يتصور مع عادل قبل أن يعرف من أي منطقةٍ نحن


كان ذلك اليوم آخر مرة أرتدي بها هكذا رداء، فقد ظن أهل المنطقة بأني أجنبي!


داخل مبنى المصرف، هذا المكان ساحر يعود بك ألف عام إلى الوراء بعبقه ورونقه!


الصبي الذي دق المسامير في جنبيتي التي ابتعتها للتو
وبجانبه طفل لا يتجاوز السبعة أعوام يبيع الملابس الداخلية


عشائنا اليوم كما عشائنا في الأمس: كبدة مع السحاوق والملوّح




اليوم الثالث: الجمعة 5-4-2013

استيقظت تمام الحادية عشر صباحاً، توضئنا وخرجنا لتأدية صلاة الجمعة في مسجد الصالح الكائن في ميدان السبعين وسط العاصمة. هذه هي المرة الأولى التي أخرج بها بالزي التقليدي – وصلنا إلى بوابة المسجد، كان سائق التاكسي عسكري لذلك سمح له رفاقه حراس البوابة بالدخول إلى المواقف الداخلية بسرعة. المسجد شاسع المساحة، مُحاط بحدائق عامة للشعب، أما ساحة المسجد فأرضيتها من البلاط الأبيض تماماً كنوعية بلاط الحرم المكّي. لا يُسمح بالدخول إلى الساحة بالأحذية حيث يجب وضعها لدى صناديق الأمانات – استمعنا لخطبة الجمعة المتحيزة بوضوح للمخلوع علي صالح، كيف لا وهو من أسّس هذا المسجد من خيرات هذه البلاد المنهوبة؟

بعد فروغنا من الصلاة، بدأ الكثيرون بإخراج هواتفهم الجوالة لتصوير ديكور المسجد الحديث نسبياً، لم يمض الكثير من الوقت حتى أخرجت كاميرتي وحذوت حذوهم. في باحة هذا المسجد فُصول تُشكل معهداً دينياً لعلوم الشريعة وتلاوة القرآن، وفي الخارج يجتمع الأقارب والأصدقاء على الحدائق، لاحظت أيضاً أن النساء يدخلن لمصلى الرجال بعد فروغهن من الصلاة في مصلى النساء لالتقاط الصور عند المحراب الضخم.

الآن وقت الغداء، توجهنا إلى مطعم قريب لا أذكر اسمه، ربوع الشام ربما – المطاعم في هذه الساعة من اليوم مزدحمة بالزبائن. يعمل في هذا المطعم مزيجاً من اليمنيون والشاميون والصومليون، أما الزبائن فهم من جميع الفئات، فكان أمام سيارة الأجرة التي جائت بنا شاص أبو شنب "وانيت لاند كروزر" يخص أحد القبائل، الجهة اليُسرى منه مليئة بالثُغور الطلقات النارية، ومكان الحمولة به ستة من أبناء القبيلة مُسلحون بالكامل. من ناحيةٍ أخرى، كانت هنالك جماعات من طُلاب الشريعة، وبالخارج يعج الشارع بالصومليون. كان المكان مُزدحماً جداً في الداخل، شاركنا الطاولة مع شخص قبلي يضع سلاحه الآلي على ظهره، وأمامه عسكري بكامل زيه الرسمي – تضاربٌ صارخ بين البداوة والحداثة!

بعد الغداء، وجدت الوقت مناسباً لزيارة أحد معالم العاصمة حيث أن وقت انكسار الشمس هو الأمثل للتصوير. انطلقنا إلى وادي ظهر الذي يقع في قلبه قصر دار الحجر التاريخي. هذه المنطقة، وادي ظهر، تقع ضمن نفوذ قبيلة حاشد، وبجوارها مباشرة يقع الجبل الذي يُشكل الحد الفاصل بين نفوذها ونفوذ قبيلة بكيل – قبيلتا حاشد وبكيل أكبر القبائل اليمنية اليوم.

تم البدء ببناء قصر دار الحجر على يد الحميريون عام 3000 قبل الميلاد وكان يُدعى "حِصن ذي سيدان"، دُمِر الحِصن على يد الأتراك قبل أربعمائة عام وأعيد ترميمه في بداية القرن العشرين على يد الإمام يحيى حاكم اليمن بعد أن توارثه عدد من الملوك اليمنيين - كان البناء على طريقته الأولية لسنوات حتى قام الإمام يحيى بإضافة الطابق الأعلى "المفرج". مر القصر بثلاث مراحل من التوسعة تستطيع أن تشعرها بعيناك من النظرة الأولى للقلعة من الخارج. تم بناء القصر بهيئته الحالية من قِبل المهندس المعماري علي بن صالح العماري من مُحافظة إب بأمر من الإمام، وتمت تسميته بدار الحجر نسبةً للصخرة الغرانيتية المبني عليها.

مبنية بعبقرية هندسية من الداخل والخارج على قمة صخرة ضخمة، المكان هُنا ملئ بالصخور المتنوعة نوعاً ولوناً، هناك الكثير من النباتات من أشجار وورود، كما يوجد في الباحة بعض الاستراحات والمتكايات والمقايل. في داخل القصر الكثير من العتبات التي تقود إلى الأعلى والأسفل واليمين واليسار، الممرات ضيقة وهناك الكثير من الزوار العرب – المكان باختصار أشبه بمتاهة لا يشبه أحد أجزاءها الآخر. قابلنا في الداخل دليل سياحي قادنا في رحلة من قبو القلعة إلى سطحها – القلعة فارعة بشكل شبه كامل من مقتنياتها الثمينة بعد أن نهبتها الدولة وباعتها لمتاحف الغرب. تمت دراسة جغرافيا وجيولوجيا المنطقة بدقة في بناء هذا القصر الساحر، فيوجد مثلاً، مقيل أو "ديوان-مجلس" شتوى وآخر صيفي تم ابتكارهم حسب حركة الكوكب والطقس عموماً طوال العام، فالشتوي يبقى دافئاً طوال العام أما الصيفي فيبقى نسيمهُ عليل كذلك طوال العام.

في القلعة يوجد العديد من الحُجُرات والمطابخ والمغاسل ومجالس خاصة بالنساء بالإضافة لأربع حُجَر لزوجات الإمام يحيى، كما يوجد في الطوابق السفلية حجرات لتحليل الجُثث عن طريق الشمس التي كان الحميريون يعبدونها ومخازن أخرى تُنقل إليها الجُثث المُتحلِلة وأخيراً يوجد على أطراف أدراج الطوابق العلوية فتحات منحوتة بدقة من نفس طين القلعة مُخصّصة لبنادق أفراد الحرس الشخصي للإمام بحيث أنها تقع على زوايا من المُستحيل كشفها أو إصابتها. خارج القلعة أيضاً، يوجد محل لبيع الهدايا التذكارية، بالإضافة لنوافير مياه عتيقة تعمل بديناميكية مُعيّنة شبيهة بديناميكية نبوخذ نصر ملِك بابل التي استخدمها لسقي حدائق بابل المُعلّقة حيث أن تلك النوافير تعمل منذ أيام الإمام وحتى يومنا هذا. هُنا يقوم شخص من قبيلة حاشد بتصوير الفتيات الصغيرات بالاكسسوارات الصنعانية القديمة بكامرته المتواضعة، وهُناك في الزاية بالقرب من شجرة تركية كبيرة نادرة في المنطقة، يجلس عجوز وزوجته يتذاكران حكايا الماضي ولا تُفارق الابتسامة محياهُما.

فرغنا الآن من وادي ظهر - لم تغرب الشمس بعد، لكننا قررنا أن نعود إلى المنزل لدراسة خط سير يوم غد. في طريقنا إلى المنزل، مررنا على محل للفواكة وابتعنا كيلو من المانجا المحليّة – المانجا هُنا مُنتشرة بكثرة بأنواعها، اخترت نوعاً قال لي عنه البائع أن هذه المانجا "حالية قوي"، وبالقعل، كانت كذلك!

تناولنا العشاء، بالمُناسبة، أنا أعشق الشاي الصنعاني فهو ممزوج بأجود أنواع الهيل، وأنا أعشق طعم الهيل. الآن حان وقت القات – نحن في نقاشٍ حاد حول وضع الدولة تحت ظل الحوار الوطني، هل مصلحة الشعبين في الوحدة أم الانفصال؟ عادل انفصالي مُتعصِّب وإبراهيم وحدوي مُحايد، وأنا أستمتع جداً بهكذا نقاشات!

سأنام بعد قليل، غداً سنسافر إلى محافظة إب – الرحلة مدتها 5 ساعات تقريباً حيث يجب أن نعبر طرقات جبلية وعرة في محافظة ذمار ومحافظة إب الأشد وعورة.




ِ










مسجد الصالح من الداخل، أكبر مساجد اليمن مساحة






بهو المسجد حيث فصول تعليم الشريعة والتجويد






مسجد الصالح من الخارج، في ميدان السبعين




قصر دار الحجر في وادي ظهر؛
صدقوني، ليس صغيراً، هو متاهة في الداخل!


الزي اليمني التقليدي، تجربتي الأولى


صورة جانبية للقصر توضح التبايُن الملحوظ في البناء على مر العصور


نباتات متنوعة بجانب مبنى المحكمة أسفل القلعة


استراحة للزوار خارج القصر


نوافير القصر التي تعمل منذ أكثر من 100 عام إلى يومنا هذا


فتاة تتصور بالاكسسوارات الصنعانية التقليدية ووالدها في قمة السعادة


وادي ظهر الذي يُحيط بالقصر




بئر ماء في قلب الصخرة التي عليها القصر،
لا أحد يعلم كم يبلغ عُمقه حيث لا تسمع صوت الشيء إذا رميته فيه


أحد شُرُفات الطوابق السُفلية للقصر،
يتبادل هذا العجوز بسعادة ذكريات الماضي مع زوجته تحت ظل الشجرة


غار لعبادة الشمس حفره الحميريون في صخرة القصر


مداخن تُخرِج الدُخان من أحد المطابخ من العصر الحِميَري




من مجالس "دواوين" الإمام يحيى، حاكم اليمن


في هذه الغرفة المرتفعة عن الأرض كان يعيش صبي غير بالغ يقوم
بمهنة المرسال بين زوجات الإمام والعُمال الذكور عند الحاجة،
تنتهي مهمة الصبي ويتم استبداله بآخر عندما يبلُغ




إحدى شُرُفات القصر




القمريات، تُستخدم بأشكالها المُختلفة حتى يومنا هذا في البنيان اليمني


هذه الشجرة أدنى الصورة شجرة تركية وهي الوحيدة في صنعاء
حسبما قال الدليل السياحي حيث لم أجد مثلها سوى في تَعِز




الشُرفة العلياء أقصى القصر


مع إبراهيم وعادل: ثلاث أزياء وطنية كل واحدة تتعلق بجزء مُعيّن من اليمن


السُلطان الواحدي، سُلطان السلطنة الواحدية في بالحاف (شبوة)


السُلطان الكثيري، سُلطان السلطنة الكثيرية في سيئون (حضرموت)
* هتين الصورتين مُقدمتان كهدايا من السلاطين لإمام اليمن،
كان وقتها إرسال الصور الشخصية كهذه تقديراً كبيراً للمُهداة إليه.


فتيات يهوديات بالزي التقليدي من مُحافظة عمران


غرفة طحن الرحا "الدقيق"


المجلس الشتوي للنساء، النوافذ مُصمّمة بحيث يُمكن رؤية الخارج
لكن من في الخارج لا يُمكنه رؤية من في الداخل لضمان خصوصية النساء


أحد الأدراج المؤدية للأسفل


خارجون من وادي ظهر، عائدون إلى قلب المدينة


رعي الغنم يبدأ من الصباح الباكر وحتى غروب الشمس




من أسلحة إبراهيم، باهضة الثمن - الخنجر يبلغ سعره 800 ألف ريال




اليوم الرابع: السبت 6-4-2013

أخذتنا النقاشات المُختلفة في الدين والسياسة إلى الثالثة والنصف صباحاً دون أن نشعر، استيقظت على أذان الظهر حتى فاتتني صلاة الفجر من شدة الإرهاق. علينا الآن أن نتناول الغداء ثم نجد وسيلة مواصلات للسفر عبر خط تَعِز إلى ذمار ثم إب. هذه آخر ساعة سأقضيها في محافظة صنعاء، لذلك رأيت أن هذه هي الفرصة المناسبة لاستعراض المنطقة مما عايشته في الثلاث أيام الماضية: المنطقة مُعسكرة بالكامل وكأنها في حالة حرب، بالرغم من ذلك، لا يوجد للحكومة أي فائدة أو هيبة فالشعب بأكمل مُسلّح. نقاط التفتيش في كُل مكان، يبحثون عن الأسلحة النارية رغبةً في تقليل نسبة حيازتها لكن دون فائدة، فالقبيلي يحمل السلاح في كُل مكان كون القبائل الكبيرة هُنا في صنعاء وعمران فوق القانون، أما من هو من غير هؤلاء فبإمكانه أن يدفع للعسكرية رشوة بسيطة ليتغاضى عن الأمر. هذه المدينة لا تصلُح كعاصمة سياسية للدولة كونها تقع في إقليم قبلي يُهدِد سيادة الدولة، كذلك توقف السُياح الأجانب من القدوم مؤخراً لنفس السبب، القبائل، حيث حدثت عدة عمليات اختطاف لسُياحٍ غرب طلباً للفدية.

على الصعيد الاجتماعي، لا تزال الصنعانيات أجمل نساء أراهُن حتى الآن في حياتي، حتى الآن، لم أشهد أي حادثة مُعاكسة، حتى أني صادفت بعض الغير يمنيات كالهنديات والصومليات والعرب الفلسطينيات والسوريات لكن مع ذلك لم أشهد أي إساءة للجنس الآخر بأي مكان. أيضاً على الصعيد الاجتماعي، في القاموس الصنعاني لا يوجد تعريف للطفولة، فالأطفال الذكور هُنا يعملون في جميع المجالات، من المطاعم والشوارع إلى الجيش وتربية الماشية، أما الإناث، فيتم تزويجهُن في سنٍ مُبكِرة أحياناً، والعامل المُشترك في جميع القاصرات أنهم يتحملن مسؤوليات المنزل من طبخ وغسل وتربية إخوتهُن الصغار وإلى آخره – لا يوجد أطفال في صنعاء، يوجد فقط رِجالٌ ونِساء.

وأنا في الطريق إلى الفرزة "موقف سيارات الأجرة"، استوقفني أحد سُكان المنطقة عندما علم أنني أحمل كاميرا وطلب مني تصويره، كذلك عرض علي أن أصور العساكر الذين كانوا بالقرب منا. جميع الرجال هُنا يرحبون بالتصوير، فقد مررت بعدها بمحلٍ للعصير كالمحال المُنتشرة هُنا حيث أعجبتني طريقة تعليق المانجا في الواجهة، فطلبت من العامل فيه تصوير الواجهة لكنه اشترط أن أصوره وزميله أولاً!

حان وقت توديع صنعاء الجميلة، ودعنا إبراهيم الذي ابتاع لنا القات الفاخر، صعدنا أنا وعادل وانيت الهايلوكس وكان بجانبنا شخص من أهل إب ذاهب إلى أسرته هُناك، وفي الأمام رجُل كذلك من إب مع ابنته بجانبه، وفي مؤخرة الهايلوكس ثلاث أشخاص لم أتعرف عليهم. حديث الشارع اليمني هذه الأيام يتعلق بمجمله عن السعودية، عن سرقة الأراضي اليمنية في محافظة الجوف مؤخراً وقبلها في مناطق مُتعدِدة، وكذلك عن حملة ترحيل المغتربين بمئات الآلاف، أيضاً عن الأسباب التي دعت الدولة الجارة لهذه التصرُفات المُشينة.

الجميع هُنا يُلاحظ أنني لست من هُنا، بعضهم يعتقدني خليجي، وبعضهم يعتقدني شامي، حتى أن بعضهم يعتقدني غير عربي! عندما أُخبر أي شخص أنني من أهل البلد وأنها أول زيارة لي منذ ميلادي، يرحبون بي أشد الترحيب وكثيرون منهم عرضوا علي الاستضافة في منازلهم – نعم، الآن حقاً أشعر أنني لست "أجنبي/وافد"!




في خِضم النِقاشات والإرشادات داخل الهايلوكس، كان في الخارج ضرباً من السِحر والجمال. خرجنا من نِطاق مُحافظة صنعاء ودخلنا مُحافظة ذمار، هذه المُحافظة يُطلق عليها المحليون اسم "ثلاجة اليمن" لشدة برودتها في الشتاء، ويطلقون على سُكانها "العفاريت" كون سُكانها من البدو وكثيرون منهُم يبدو وكأنهم خرجوا من القُبور، بتجد شعر أحدهم منكوش ومليء بالغبار وملابسه مُتسِخة وكأنهُ لا يهتم، كما يوجد في منطقة معبر بنفس المُحافظة مؤسسة مُتخصِّصة بمُعالجة السِحر واللبس وما إلى ذلك.

عاصمة المُحافظة كبيرة الحجم، مدينة ذمار، حولها تقع الجِبال والسُهول المُنفرِقة وبها العديد من المزارع حيث أن في هذا الوقت من العام تكثر ثمار الدُبّة "القرع" والجوافة والمانجا وغيرهم الكثير، رائحة السماد والمزروعات هُنا تُذكرني بأرياف مِصر. لا يوجد شيء يُثير الانتباه في هذه المُحافظة في هذا الوقت من العام، زراعية بالدرجة الأولى وليست مجذباً حقيقياً للسياحة.




الطُرُقات هُنا شديدة الخُطورة لكن قادة المركبات مُتمرسون حقاً، فرغم افتقار الطُرُقات للتوجيهات والتخطيط الجيد وغيرها، ومع كثر الحُفر والمطبات القديمة يدوية الصُنع، لكن نادراً جداً ما تقع أي حوادث ولله الحمد. بدون سؤال هذه المرة، علمت أننا قد وصلنا إلى نطاق مُحافظة إب، فمُدرّجات المزارع على سفوح الجبال الشاهقة، والمنازل المبنية على الجِبال العملاقة الأشبه بأن تكون أرففاً لأحد المكتبات الضخمة كانت كفيلة بأن جعلتني أعلم هذا الشيء – حقاً، هذا الشعب يعشق تحدي المخاطر والعيش على أطراف الجبال؛ جيران، هُم والسحاب!

أمامنا من جميع الاتجاهات الثلاث سلسلة جبلية عملاقة لا مفر منها، الطريق الوحيد للوصول إلى مدينة إب أو قلب المُحافظة هو اجتياز طريق جبلي مُتعرِج به أكثر من 100 مُنحدر خطير. هذا الطريق ليس لضِعاف القُلوب ولا مُبتدئي القيادة، أي ارتباك أو خطأ سينتهي بك في قعر الوادي السحيق! أكاد ألمس السحاب هُنا، لا يوجد أي حاجز فراغي بين سُفوح الجِبال والغُيوم، حتى أن بعض الجبال تقع قممها فوق السُحُب.

المشهد الشاعريُ الساحِر الذي يشرح العلاقة الرومانسية بين السحابة والجبل كان يودعنا مع غروب الشمس، للأسف غربت الشمس ونحن في مناطق خلّابة لم أتمكن من تصويرها. واصلنا الرحلة حتى وصلنا إلى قلب المدينة – صلينا وتعشينا في الفندق الذي أخذها إليه الشخص الذي كان بجانبنا في الهايلوكس وغداً إن شاء الله سنزور معالم المُحافظة.



الشخص المُتَحَمِس الذي طلب مني تصويره،
تشرح الصورة الاستخدامات المُتعدِدة للجنبية "الخنجر"






العاملين في المعصرة، الذين اشترطوا تصويرهم أولاً قبل تصوير المحل








قُرىً مُختلفة في مُحافظة ذمار،
تُلاحظون قلة الخُضرة بسبب أن الموسم يبدأ من شهر يوليو (7)


غُروب الشمس في الطريق إلى مدينة إب
جميع الطُرُقات هُنا على حواف الجِبال الشاهقة، مُعانِقة السحاب




اليوم الخامس: الأحد 7-4-2013

أخطأت عندما اخترت غرفة تطُل على الشارع، فالمنظر في الخارج جميل، لكن كان علينا دفع الضريبة وهي إزعاج السيارات والشاحنات حيث يعشق أهل الشمال أصوات الهون ويُطلقونها لسبب أو دون سبب، طوال الوقت! لم أستطع النوم إلا بعد صلاة الفجر، مُتسائلاً هل سيكفيني نوم بضع ساعات في الصباح؟ لكني استيقظت بعدها بساعات وكانت تملئني الحيوية، فذهبنا بعد صلاة الظهر لتناول الغداء في مطعم حضرموت القريبواستأجرنا بعدها سيارة أجرة لتقلنا إلى مدينة جبلة القديمة، عاصمة الدولة الصليحية في اليمن والتي كانت تحكمها الملكة أروى والتي قال بها الشاعر: "ما مِصر ما بغداد ما طبرية، بمدينةٍ قد حفّها نهرانِ – خدد لها شامٌ وحب مشرقُ، والتعكر السامي رفيعٌ يمانِ".

أخذنا السائق، وهو من أهل المنطقة، في رحلة بشوارع مدينة إب ثم إلى مدينة جبلة القديمة التي تقع بالقرب من قلب مدينة إب. الشوارع ضيقة للغاية، طريق لا يسع لأكثر من مركبةٍ واحدة، المنطقة بأكملها تقع على جبلٍ مُتعرِج أي أن جميع الطُرُقات صاعدة والعودة هابطة – أهم شيء في مُحافظة إب عموماً هو مكابح إيقاف المركبة، فإن تعطلت مكابح أي مركبة على الطريق سواء صاعدة أو هابطة ستُسبِب كارثة وتهديد لأرواح جميع مُرتادي الطريق!
البشر هُنا في إب شديدو الطيبة والشجاعة، كذلك أنهم يتمتعون بصحة عالية بجميع أعمارهم حتى الشيوخ منهُم، كذلك يتمتعون بلياقة بدنية فالجميع هُنا رشيقون، لم أصادق أحداً من ذوي الكروش حتى الآن – يرجع السر لمكان عيشهم، فقد اعتاد أهل الشمال هؤلاء على عيش الجبال صعوداً ونزولاً منذ نعومة أظفارهم والعيش على حوافها، بعض الطُرُقات لا تكفي لعبور المركبات لذلك يقضي الإبي مشاويره سيراً على الأقدام.

وصلنا إلى مدينة جبلة الأثرية، عندما علم السائق، بِلال، أننا من الجنوب وأننا ضيوفٌ هُنا، أصر بأن يُرافقنا إلى بعض معالم المدينة. خرجنا من المركبة لنسير في أزقة المدينة – حقاً، لا أعلم كيف يتحمل الناس العيش هُنا! نعم، الأمطار تهطل مُعظم العام والخُضرة تكسو جبالها ووديانها، لكن الطُرُقات بين المنازل عسيرة للغاية! فالأحجار الصغيرة والمتوسطة تملاً الطُرُقات، ولا يوجد أي حواجز تمنع وقوع أي شيء، لا سمح الله، إلى قعر الوادي أسفل الجبل، لا أعلم كيف ينجو هؤلاء الأطفال الذين رأيتهم يلعبون كُرة القدم بجانب جُرف الجبل يومياً!

كما ذكرت، أهل إب عموماً أناس طيبون مضيافون، خلال رُبع ساعة تقريباً دعانا ثلاثة أشخاص من أهل مدينة جبلة القديمة لضيافتنا في بيوتهم من تقديم الشاي أو الطعام، رغم شدة بساطتهم. قد سمعت عن وجود متحف هُنا، صادفنا المُرشد السياحي، الأستاذ جلال، وهو مُثقّف من أهل المنطقة. وضّح لنا جلال أن الحكومة قد عرضت على كل أسرة في المدينة مبلغاً طائلاً من المال ليتركوا بيوتهم كي تكون المدينة الأثرية تحت إشراف منظمة ألمانية مُتخصِصة، لكن أهل المنطقة يرفضون، كذلك من ضمن الأشياء التي وضحها لنا جلال هو أن البعثة الألمانية قد قدّمت للحكومة اليمنية مبلغاً ضخماً من المال لترميم ممرات المدينة الضيقة لكن الحكومة كما تجري العادة قد سرقت تلك الأموال والطُرُقات كما رأيتها بنفسي، بأسوأ حال.

كانت مدينة جبلة القديمة تُسمى بمدينة النهرين لوقوعها بين نهرين ضخمين، وقد عملت الملكة أروى على عدة تصاميم ديناميكية هندسية للاستفادة من مياه الأنهار لتروي بها أهل المدينة العالية، أما اسم "جبلة" فهو تكريماً لتاجرٍ يهودي من أهل المنطقة قدم الكثير للمدينة في ذلك الزمان، كما وضح لنا جلال أيضاً أن والد الملكة أروى كان حاكماً لعدن أما الدولة الصليحية في عهد الملكة أروى فكانت تتمركز في صنعاء لكنها نقلتها إلى إب تحديداً إلى جبلة.
في داخل متحف الملكة أروى وسط المدينة القديمة، يعُج المكان بنُسخ من القرآن الكريم مُطرّزة بالفضة والذهب والزعفران وغيرهم، فقد نشأ في عهد الملكة وعبدها الكثير من المؤسسات الدينية في المدينة، فهنالك معهداً دينياً كان يأتيه وقتها المسلمون من جميع البِقاع لتحصيل العِلم، من شبوة وأبين وحضرموت وجيزان والحُديدة وغيرهم، كما كان يوجد في المتحف مجلساً تمثيلياً لمجموعة نساء في أحد جلسات نقش الحناء لعروس تجلس بجانب والدتها وهي تخزن القات، حيث كان من العادات أن تخزن والدة العروس القات أمام المنقِشة.

كما شهدت في دار الحجر بصنعاء، تتمتع هذه المدينة بالحرفية الديناميكية والفلكية والهندسية في نفسِ الآن، فملاً، كان للملكة مغارة سرية لها تصل بين مسجدين تُصلي في أحدهما السُنّة وفي الآخر الفرض. أخذنا جلال إلى أحد ذيك المسجدين حيث يوجد بداخله مزار زكي الرائحة اكتشفت أنه تابوت الملكة أروى، لكنه غير حقيقي، فبعد أن كانت جثة الملكة حقاً في هذا المكان، كان الصوفيون يتدافقون إليها لزيارتها سنوياً خصوصاً من الهند، لكن مع تصحيح المسارات اكتشف أهل المنطقة أن وضع جثة في داخل مسجد لا تجوز فقاموا بنقل جثتها إلى موقعٍ آخر بسريةٍ تامّة حتى لا يخسروا فوائد السياحة من السُياح الصوف الذين يأتون من خارج الدولة وحتى داخلها. بالإضافة لهذا المسجد، توجهنا إلى مسجدٍ قديمٍ آخر أعجبني بناءه الخارجي – عندما دخلت هذا المسجد، وجدت سورة الرحمن منقوشة على قُبته بالكامل من الداخل بحرفية يدوية مُبهرة.

تنتشر في المدينة القديمة شعارات الزيديون وكذلك شعارات السُنّة، أما سُكانها من اليهود فقد هجروها منذ مدة. في نهاية رحلتنا بهذه المدينة استوقفنا رجلٌ كهل وسألنا من أي منطقة قدِمنا، أخبرهُ عادل أننا من عدن، لدواعٍ أمنية، فرحب به الكهل أشد الترحيب وبدأ بقص حكايا من الماضي عليه، عندما كان هو ورفاقه قديماً يسافرون من اليمن إلى عدن ويقترضون "خمسة شلن" حيث كانت تكفيهم جميعاً لعيش خمسة أيام، وكيف أنه بدأ بالتجارة هُناك حيث كان يشتري حمولة شاحنة كاملة من البطاطس بمئة شلن فقط. هذا الكهل خبيرٌ حقاً، فعندما فرغ من عادل سألني من أين أنا، فقلت له كذلك من عدن، لكنه لم يتردد بتكذيبي! فقال لي: "لا لا، مانتاشي من عدن، أنت من تحتها، من شبوة.. يمكن؟"، والغريب بالأمر أننا فعلاً من شبوة!

جميلة اللهجات اليمنية، في كُل مُحافظة تختلف اللهجة تدريجياً وأحياناً كُلياً، فأهل صنعاء مثلاً لهجتهم صعبة لا يُشبهها شيء وكأنها جِدال وليست حِوار، أهل عدن لهجتهم كذلك تختلف تماماً فتجد بها بعض الكلمات الهندية والإنجليزية نظراً لتمازج الثقافات في العصر الحديث بسبب أنها كانت أهم ميناء في العالم حيث استعمرها البريطانيون لمدة 129 عام وكانت عاصمةُ لهم في الوطن العربي – لاحظت اليوم التقارب البسيط بين اللهجة الإبية واللهجة القصيمية "قصيم نجد"، في الأيام القادمة أتطلع للتعمُق أكثر ببقية اللهجات.

فرغنا من المدينة القديمة الآن، الساعة الرابعة عصراً، لا يزال اليوم طويل، لكن لا نريد أن نذهب إلى منطقةٍ بعيدة حيث تغرب الشمس هُنا قرابة السادسة فلن نستمتع حينها بالمشهد، لهذا انطلقنا إلى مكانٍ قريب يُدعى "جبل ربّي" – هذا المكان عبارة عن موقف للسيارات فوق قمة جبلية شاهقة، بالإضافة لمقهى أمامه حمام سباحة مُحاط بالزهور الوردية الجميلة وعلى أسواره الأشباك الحادّة والزُجاج المُحطّم لحمايته من الزوار الغير مرغوب بهم، الذين لا يريدون دفع رسوم الدخول. برغم هذا، المقهى والمسبح لا يهمان أحد هُنا، فالجميع يأتي إلى هُنا لشيءٍ من اثنين: أما التصوير كون الموقع يطُل على مدينة إب وجبال بعدان، وأما لتخزين القات داخل السيارات، كون المنظر يُعتبر عاملاً جيداً في آداب التخزين – صدقوني، إنها قصة طويلة لا تُريدون معرفتها.

حسناً، يكفي هذا لليوم، إب وذمار والمحويت وهذه المناطق تحتاج لزيارةٍ أخرى في وقتٍ آخر من العام، لذلك قررنا أن نُسافر غداً إلى محافظة تَعِز التي تقع جنوب محافظة إب مُباشرة. لن أُطيل البقاء بها إن شاء الله، فلا ننوي المبيت هُناك حيث من المُخطّط أن تكون استراحتنا قبل دخول مُحافظة لحج التي تلعب هي الأخرى بدورها كمعبر لمُحافظة عدن عاصمة الجنوب – تُصبحون على خير.



مدخل مدينة جبلة القديمة


مأذنة أحد المساجد التاريخية




بعض منازل المدينة القديمة، لاحظوا ضيق موقف السيارات


هكذا هي الممرات بين منازل المدينة


صورة من بين المنازل متفاوتة الارتفاع


من أمام باب المتحف، هذا الشارع يُعتبر واسعاً!


أحد القُبور التاريخية المُهملة




من داخل المتحف، نُسخ يدوية عتيقة للقرآن الكريم
قامت بكتابته نساء المنطقة في عصر حُكم الملكة أروى


العقيق الأسود اليماني


جنابي مُرصّعة بالأحجار الكريمة المحليّة


أدوات طحن الرحا "الدقيق"


نُسخ يدوية أخرى للقرآن الكريم كُتِبَت في عصر الدولة الصليحية


لوائح الكُتّاب، كانت تُستخدم لتحفيظ الأطفال القرآن الكريم


أسلحة عتيقة لجيوش الدولة الصليحية في اليمن


أدوات أكل وشُرب مُختلفة


رسمة تخيُلية للملكة أروى، رسمها صبي لا يتجاوز عمره السبع سنوات
في مُسابقة مدرسية للرسم كانت الملكة موضوعها


قمريات، رمز الهندسة اليمانية


عرش الملكة أروى، أنا الحاكم الجديد للمنطقة!




مدينة جبلة القديمة ومسجد الملكة أروى، رمز المدينة


عندما رأت تلك الفتاة الكاميرا سارعت بإخفاء وجهها الجميل


هذا الرجُل عجوزٌ جداً لدرجة التقزُّم!


مِحراب ومِنبر مسجد الملكة أروى


سقف المسجد، خشبي يعُج بالنُقوش العربية القديمة


مرقد الملكة أروى في داخل المسجد،
حيث يظن الصوفيون أن جثتها لا تزال موجودةً فيه




في رواق المسجد، حيث يُمنع ارتداء الأحذية


مأذنة المسجد من جهة الرواق


أحد أبواب المسجد الموصدة


أحد الممرات الجانبية للمسجد


المسجد من جهة الشارع السُفلي


العجوز النابغة الذي يعرف أني لست من عدن!
هذه المدينة مليئة بالشيوخ فهم في كُل مكان




المسجد الآخر الذي أعجبني بناءُه


سورة الرحمن، منقوشة بالكامل يدوياً على هذه القُبّة


المِحراب والمِنبر داخل المسجد التاريخي


من أزهار جبل ربّي


سور حمّام السِباحة، لضمان عدم وصول المُتطفلين إليه!


وادي بعدان، صورة من ناحية جبل ربّي


مدينة إب، صورة من ناحية جبل ربّي


الأسلاك في كُل مكان، كانت لتكون صورةً رائعة


صورة من تصويري وأخرى من Google
تُعطي مثالاً لاختلاف مظهر الغِطاء النباتي في إب حسب الموسم




اليوم السادس: الإثنين 8-4-2013

خرجنا من الفندق الحادية عشر صباحاً، بعد أن تناولنا الغداء مُبكراً بسبب السفر الذي ينتظرنا اليوم، توجهنا إلى الفرزة وأخذنا أجرة بيجو إلى مُحافظة تَعِز. لا يفصل بين مُحافظتي إب وتَعِز أي مُحافظات أخرى جنوباً، لهذا لن تستغرق الرحلة أكثر من ساعة ونصف إن زادت. كما هو الحال في المُحافظات التي سبق وزرتها، لا تحتاج للنقاط الأمنية على الطريق لتعرف في أي مُحافظةٍ أنت، فجُغرافيا وطبغرافية اليابسة تكون كفيلةً بذلك. على الطريق بين إب وتَعِز تقع بعض القُرى المتفرقة التي يسكنها المزارعين أو المهاجرين القدماء الذين يعملون في الميكانيكا وغيرها – بدون سابق إنذار، وجدتنا قد فارقنا جبال إب المليئة بالمدرجات الخضراء واستُبدِلت بجبال تماثلها ارتفاعاً لكن بنوعٍ آخر من الخُضرة. جبال تَعِز خضراء على طريقتها الخاصة، لستُ خبيراً في مجال الفِلاحة لكن منظرها كان جميل.




لم يمض الكثير من الوقت حتى وصلنا إلى طريق مُسفلت ومُنظم أشد التنظيم، هو الأول من نوعه الذي أراه في الجمهورية حتى الآن – هذا الطريق هو الذي يصل بين العاصمتين، صنعاء وعدن، والذي أنا فيه منذ وصولي المطار ويُدعى "خط تَعِز"، أما الجزء المُنظّم فيه فهو مدخل مدينة تَعِز ذاتها، حيث تُعتبر تَعِز عاصمة الثقافة اليمنية. تَعِز الجميلة، هي حسبما رأيت الأنظف والأكثر ترتيباً بين جميع المناطق التي زرتها حتى الآن، كما أن التعزيون أناس مُثقفون بغالبيتهم. نزلنا من البيجو ومُباشرة صعدنا سيارة أجرة كورولا، اتفقت مع السائق أن يأخذنا بجولة سياحية سريعة في منطقتهم الجميلة التي تُعتبر آخر مُحافظات الشمال جنوباً حيث كانت حدود دولة شمال اليمن تقع بين تَعِز ولَحَجْ.

أخذنا السائق إلى جبل صبَر، في هذا الجبل المأهول بالسُكان يقع قصراً قديماً مهجوراً مُهملاً كان خاصاً بالإمام أحمد، إمام اليمن الذي كان يحكمها من على قِمم جِبال تُهامة في الحُديدة مطلع القرن الماضي، وجدت على باب القصر لافتة: "متحف تَعِز" لكن لا أعلم كيف سيكون هنالك متحف في مكانٍ مُهمل كهذا – اكتفيت بالتقاط بعض الصور للقصر والمدينة من ذلك المُرتفع وانطلقنا إلى الوجهة التالية.

في طريقنا إلى الوجهة التالية، أخذنا السائق عبر طريق بالقُرب من جبل صبَر، هذه الحارة هي التي نشأ بها الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح ويسكنها الكثير من بلاطجته. أكملنا الطريق إلى أهم معلم من معالم تَعِز وهو قلعة القاهرة التي تم بناءها في عصر الدولة الصليحية بين عامي 1045 و1138 للميلاد وقد ذكرها العديد من الرحالة في أسفارهم إلى اليمن منهم ابن بطوطة وياقوت الحموي وغيرهُم.

المكان هُنا ساحِر! كان علي تسلُق القلعة التي تقع على قمة جبل للوصول إلى أرجائها، وكان الأمر شاقاً لكنه استحق ذلك بالفعل. يقع في الجزء السُفلي للطريق الحجري إلى القلعة بركة تُجمع بها مياه الأمطار تمت صناعتها باستخدام الصخور والجبس وغيرها – هُنا يأتي الشباب والعائلات للاستمتاع بمُشاهدة المدينة بالكامل من جهة الغرب، حيث عليك صعود قمة القلعة إن أردت مُشاهدة المدينة بالكامل من جميع الاتجاهات. بالإضافة للمنظر الخلّاب والهواء العليل، يوجد حديقة صغيرة بها أكثر من 30 نوع من النباتات المُختلفة، وكما أضاف لي سائق التاكسي، وهو من شباب الثورة، أن القلعة كانت تُستخدم في عهد الرئيس المخلوع كسجن للشباب الذين شاركوا في الثورة من أبناء المدينة، حيث أنهم أخرجوا صديقاً لهُم منها بعد أن اختفى من ساحة الحُرية وسط المدينة. قمت بأخذ بعض الصور للمدينة وملاحق القلعة لكن لم يسنح لي الوقت للصعود إلى قمتها، فالأمر يتطلب وقتاً لا أملكه.

حسناً داركنا الوقت للوجهة القادمة من رحلتنا حيث أننا لا ننوي المكوث في تَعِز لضيق الوقت، لهذا، سأعرض المُحافظة في سُطورٍ موجزة: أول شيء تُلاحظه عند زيارتك لتَعِز هو ما يرتديه الناس، حيث يندر الرداء التقليدي هُنا كالعصرة/الوزار/المعوز أو الجنبية/الخنجر، الغالبية العُظمى هُنا يرتدون البناطيل والقمصان ربما فقط كبار السن هم من يرتدون الزي التقليدي. تُعتبر مُحافظة تَعِز الأكبر على مستوى الجمهورية من حيث التعداد السُكاني، حيث يبلغ تهداد سكانها حوالي 6 مليون نسمة. تختلف حالة الجو من منطقة لمنطقة في المدينة، فالمرتفعات كقلعة القاهرة جوها رائع والحواري الجبلية حيث التركُز السُكاني جوها مُعتدِل أما قلب المدينة فيقع أسفل الوادي وهو مُشمسٌ حار لا يُطاق. التعزيون مُهمشون من الناحيتين، فمن ناحية الحكومة قد حاول علي صالح الإغارة عليها والسيطرة على ثوارها بالقوة لكنهُ فشل وكذلك شعب الشمال يكن الكثير منهم البغضاء لهم، ومن ناحية الجنوب أيضاً فالجنوبيون يعتبرونهم "دحابشة" ولا يأمنون لهُم – باختصار مما رأيت فتَعِز هي الأجدر بأن تكون عاصمة الدولة بدلاً من صنعاء المُحاطة بمواطن القبائل الكبيرة من جميع الاتجاهات.




عُدنا إلى الفرزة لنأخذ سيارة أجرة إلى عدن – للوصول إلى عدن من تَعِز، علينا عبور مُحافظة لحج التي تُعتبر أول مُحافظات الجنوب من هذا الاتجاه حيث كان يقع بها قبل عام 1990 أو عام الوحدة الحد الفاصل بين الجمهوريتين: اليمن الشمالي واليمن الجنوبي. من الأشياء الفريدة في اليمن عُموماً هو أن لكُل مُحافظة أو عدة مُحافظات نوعٌ خاص من سيارات الأجرة، ففي فرزة صنعاء التي توصل إلى ذمار وإب مثلاً، سيارات الأجرة من نوع وانيت الهايلوكس، أما داخل صنعاء فسيارات الأجرة من نوع الصالون سواء كورولا، هيونداي، كيا أو غيرها، وفي إب سيارات الأجرة الداخلية جميعها من الحافلات الصغيرة 12 راكب، أما سيارات الأجرة التي تخرُج من المُحافظة لغيرها فهي غالباً من نوع البيجو 7 راكب، وأخيراً في المُحافظات كبيرة المساحة مثل شبوة وحضرموت والمهرة فجميع سيارات الأجرة هي من الدفع الرُباعي، لاند كروزر 1984 غالباً – كل مُحافظة تكون بها سيارات أجرة تتناسب مع طبغرافية أرضها، فالطرقات الوعرة بالمناطق المفتوحة مثل شبوة وحضرموت والمهرة لا تستطيع السيارات الصغيرة تحمُلها، لكن تشترك جميع المُحافظات بأن السيارات سواءاً أجرة أو شخصية أو حكومية يابانية بغالبيتها الساحقة حيث أن السيارات الأمريكية والأوروبية وغيرها لا تتحمل الطُرُقات الجبلية شديدة الوعورة بالإضافة للسيول التي تقع من وقتٍ لآخر في وديان حضرموت وشبوة والمهرة فلا يستطيع اجتيازها سوى التويوتا لاند كروزر.

كما ذكرت سابقاً، لا تحتاج للوصول إلى نقطة العبور بين المُحافظات لتعي بأنك وصلت إلى مُحافظةٍ أخرى، فلكل مُحافظات علاماتها الطبيعية، وعلامة مُحافظة لحج هي انتشار رسومات أعلام دولة الجنوب من قِبَل أنصار حزب الحراك الجنوبي والذي هُم غالبية الشعب الجنوبي، فمن المُفارقات بأن تجد علم الجنوب وبعده بكيلو متر أو اثنين نقطة تفتيش وبجانب العساكر علم الوحدة – فعلاً، اختلاف الرأي "يجب" أن لا يُفسد للود قضية، فالإنسان اليمني حُر، يُعبِر عن رأيه دون خوف.

شهدت في الطريق عبر مُحافظة لحج ذاك التضارُب الصارِخ في طبغرافية الأرض، ففي البداية كانت الجِبال خضراء، ثم قلت الخُضرة، فعبرنا بين جِبالٍ صخرية، ثم جِبالٍ رملية، ثم منطقة صحراوية عذراء كصحراء نجد، ثم أخيراً قبل عدن بقليل بواحة عملاقة في منتصفها مياه جوفية مُحافطة بالنخيل والنباتات - كنت أتمنى أن نذهب قبل عدن إلى يافع الجميلة والتي تمتد بين مُحافظات لحج والضالع والبيضاء، خصوصاً عاصمتها لبعوس، لكن الطريق إليها شاقٌ جداً فهي تقع على قِمم الجِبال العالية – أعشق فن المعمار اليافعي وعيش هؤلاء القبائل فوق السحاب؛ ربما في الرحلة القادمة، بإذن الله.

منذ أن دخلت إلى مُحافظة لحج وأنا أشهد تضارُباً صارخاً من نوعٍ آخر، فالبشر هُنا يختلفون تماماً عن البشر في الشمال من جميع النواحي، لا يشترك بينهم سوى العصرة "الإزار" على أسفل الجسد والشال أعلى الرأس. أولاً، الجنوبيون لا يرتدون الجنبية "الخنجر" باستثناء بعض اليافعيون والحضارم في المُناسبات الخاصة فقط، ثانياً، الجنوبيون لا يضعون الشميز "القميص" داخل العصرة بل خارجها – هذا من ناحية الزي، من ناحية الهيئة فالشماليون بيض البشرة أما الجنوبيون يتراوح سمارهم بين الهندي والإفريقي بملامح عربية، أيضاً حين وصولي إلى مُحافظة لحج كانت أول مرة أشاهد بها شخص سمين –مثل عادل- منذ وصولي البلاد، وهذا يعود لطبيعة الحياة، فالشماليون يعيشون الجبال أما الجنوبين يعيشون الوديان، لهذا يفتقد الكثير من الجنوبيون للرشاقة كما هو الحال مع مُرافقي عادل الذي يقضي حياته بين شبوة والكويت.




وصلنا إلى عدن، كيف عرفت؟ هناك بعض القوارب البحرية المُستهلكة والمُهملة على جانب الطريق، كذلك، أشتم رائحة البحر بأنفي الذي لا يشتم سوى بعض الروائح فقط. رائحة البحر ورطوبتها هُنا ذكرتني بمدينة جِدّة، بالرغم أني أعيش في عاصمة الكويت التي تطل على الخليج، لكن ليس لذاك الخليج هذه الرطوبة والنكهة أبداً.

وصلنا إلى الفندق وقت غروب الشمس، الفندق في منطقة الشيخ عثمان التي تقع في الجانب الآخر من عدن، بجانب خورمكسر ودار سعد والمنصورة، أما في شبه الجزيرة فهنالك ثلاثة مناطق: المُعلّا والتوّاهي وكريتر. حتى لا يكون وصفي مُظلِلاً، من المُهم العِلم بأن مُحافظة عدن هي عبارة عن شبه جزيرة، قد كانت أهم ميناء بحري في العالم حيث أنها تُسيطر على مضيق باب المندب الذي يوصل خليج عدن وبحر الحرب بالبحر الأحمر، الشيء الذي منع الرحالة الأوروبيون من استخدامه للوصول إلى الهند واستداروا حول إفريقيا كاملة هرباً من هذا المضيق وأهله. قام البريطانيون باستعمار عدن نهاية القرن التاسع عشر واستمر الاستعمار حتى ستينيات القرن العشرون، أي أن الاستعمار دام 129 سنة، قامت بريطانيا على مدارها بإعمار عدن بشكلٍ عام حيث أن عدن اليوم تجد في كُل رُكن من أركانها لمسة من المعمار اللندني النبيل.

لا يزال الوقت مُبكراً والمساء طويل – صلينا ما فاتنا من صلوات ثم ذهبنا إلى سوق الطويل في كريتر. كريتر بالانجليزية تعني "فوهة البُركان" حيث كما يصفها عُلماء الجيولوجيا بأن تحت أرضها يقع أعظم بُركان ستشهده البشرية وجميع البراكين التي شهدتها الخليقة حتى الآن مُجرّد أضحوكة أمام بُركان عدن – هذا البُركان هو الذي جاء على لسان سيد الخلق رسول الله، عليه وآله الصلاة والسلام في صحاح الأحاديث، من باب أشراط الساعة الكُبرى.
المساء في عدن شيءٌ آخر، فالناس هُنا أكثر اجتماعية بكثير كما لاحظت، ربما لكون عدن عبارةً عن نُقطة التقاء أهل الجنوب من عُموم المُحافظات الجنوبية فهي أشبه بالمطار والسوق المفتوح الكبير. نزح إلى عدن الكثير من أهل أبين بسبب الحرب التي حدثت منذ عامين بين الحكومة والقاعدة التي سيطرت على عاصمتها زنجبار، كما يوجد أيضاً في عدن اليافعيون والحضارم والشبوانيون – لم أشعر قط أنني في أرض الوطن سوى عندما صادفت الشبوانيون "أهل مُحافظة شبوة"، فهذه اللهجة التي يتحدثون بها هي لهجة والدي تماماً! أشعر حقاً الآن بأني لستُ بغريب، رغم أني لا أجيد اللهجة لكن أشعر بأنهم جميعاً أقربائي!

رغم كون عدن أصغر المُحافظات مساحة برغم كبر عدد سُكانها، ألا أن الشوارع هادئةً جداً وكأن تلك العلاقة الغريبة بين السائقين و"الهون" في المُحافظات الشمالية كانت ضرباً من الخيال! الشوارع هُنا مُكتظّة مُقارنةً ببقية المناطق لكن مع ذلك هي أهدأ بكثير. يبدو أنني نسيت أن أكمل الحديث بشأن سوق الطويل في كريتر: أشكال الفتيات هُنا تختلف بين فتاةٍ لأخرى، فالفتيات اللاتِ كُنَّ معنا في التاكسي بيضاوات يبدو أنهُنَّ من يافع، أما الذين وجدتهم في السوق فتختلف درجات سمارهُن. العدنيات عُموماً يشبهن نجمات بوليوود مشاهير الهند، فقد شهِدَت عدن تحديداً والجنوب عُموماً الكثير من عمليات التبادُل الثقافي أبرزها مع الحضارات الهندية والإنجليزية والصوملية، فعلى سبيل المِثال، زوجة أخي عدنية لكن جدها هندي.

السوق مُفعم بالحياة رغم غروب الشمس، شممت رائحةً شهية للغاية وكأنها سحرتني رغم أنني لم أكن جائعاً. هذا الرجُل مع ابنه الصبي يبيعان أكباد الدجاج المُتبلة بالبسباس وهو الفلفل الأحمر المطحون مع الملح الشبواني الجبلي أصفر اللون و"الحويج" أو البهارات المشكلة – تباً كم كانت شهية! في نفس هذا السوق، الطويل، عمل والدي لأول مرة في حياته حينما كان صبيا، الشيء الذي أعطاه خبرةً في التجارة حيث تعجبت من امتلاكه في السابق لعدد من البقالات في الكويت رغم أنه لم يحصل على التعليم سوى من الكُتّاب – إنها الخِبرة!

شباب عدن يذكروني بشباب جِدّة، فهم يرتدون ملابس "على الموضة" ويعشقون الشِعر والغِناء حيث يستخدمون مقاطع من بعض الأغاني للرد في بعض المواقف كما ذاك الشاب الذي حاول إيقاف سيارة أجرة لكن السائق لم يعره أي اهتمام، فقال لهُ الشاب: "كلمة ولو جبر خاطر!"، كما شهدت أيضاً مثل هكذا عِبارات على مؤخرات السيارات والشاحنات مثل "عضة أسد ولا نظرة حسد"، "حتى هدف حياتي طلع تسلّل"، "احترام الكبير واجب" على شاحنة كبيرة، و"يا رب أكبر وأصير رويشان" على دباب صغير والرويشان هو باص السفر الضخم.

العشاء كان رائع وعلى الطريقة التقليدية، غداً إن شاء الله سأزور بعض الأقارب في المنطقة وأتعرف على معالمها عن كثب – إلى اللقاء.



إلى اللقاء إب، رُبما أعود إليكِ موسم الخضار


بيع وشراء النياق، على مشارف تَعِز


هذه الأزهار مُنتشرة بكثرة بين المنازل في مُختلف المناطق حول البِلاد


متحف الإمام أحمد، لا أعلم لأي غرض تم بناء البناية في الماضي


صورة قمت بتصويرها عن طريق الخطأ والسيارة تسير على عُجالة،
تُلاحظون كتابة "علي نحن فداك" فقد كتبها بلاطجة علي عبدالله صالح
حيث أنهُ عاش طفولته في هذا الحي من جبل صبَر


نوعٌ آخر من الأشجار التي تنبت بين البيوت، في قلعة القاهرة


جانب من سور القلعة العِملاق


قلعة القاهرة، من منظور الطابق الأوسط


بِركة تجمُع مياه الأمطار


جانب من مدينة تَعِز


لقطة بانورامية للمشهد، مدينة تَعِز من قلعة القاهرة


شخص من أهل المنطقة، هكذا يرتدي أهل تَعِز اليوم،
يُطلق عليهم أهالي المناطق المُجاورة لقب "مِصريو اليمن"


القلعة مبنية بالكامل على الجبل




الدَرَج الرئيسي المؤدي إلى قمة القلعة


أزهار تُمَجِد الخالِق في الحديقة الصغيرة التابعة للقلعة


أحد مرافق القلعة، يبدو أنها غُرفة للحُرّاس




من أعلام الجنوب المُنتشِرة في مُحافظة لحج وبقية مُحافظات الجنوب




من تضاريس مُحافظة لحج شديدة التنوُع


مدخل عدن الشمالي حيث يصل المُسافرون برّاً




اليوم السابع: الثلاثاء 9-4-2013

استيقضنا على أذان الظهر، كان بانتظارنا في مطعم "رويال شبوة" الذي يملكه اثنين من أقربائنا والذي يقع خلف الفندق مُباشرة أحد زُملاء عادل من أيام الدراسة الجامعية هُنا في عدن حيث كانوا يدرسون ويعيشون سوية. هذا الشاب يُدعى أنس وهو بالأصل من بورما يحمل جواز سفر باكستاني وهو من مواليد مكة المُكرّمة، لهجته الحِجازية تُضحكني للغاية إضافةً لكونه خفيف الظِل وسُرعان ما يدخُل الذاكرة والقلب. بعد الغداء انطلقنا مع أنس في سيارته التي عليها لوحات سعودية وأخذنا بجولة في بعض مناطق عدن الجميلة، عبر شارع البحرين الكائن فوق البحر حيث أنه يشُق جُزءاً من الخليج إلى شقّين ليصل بين المناطق الداخلية كالشيخ عثمان ودار سعد والمنصورة بالمناطق الداخلية كالمُعلّا والتوّاهي وكريتر "شبه الجزيرة". أخذنا أنس إلى شاطئ صيرة الذي في زاويته جبل تقع على قمته قلعة صيرة الشهيرة، رمز عدن.

بعد أخذ بعض الصور هُناك، توجهنا إلى عدن مول وهو مُجمع تجاري ضخم يبدو من الخارج متوسط الحجم لكنه من الداخل أشبه بالمتاهة حيث يُحيط الخليج بالمُجمع من اتجاهين حيث يقع على أرض شبه دائرية وبه الكثير من المحلات المختلفة للنساء والأطفال والشباب بالإضافة للمقاهي والمطاعم العالمية وسوق لولو هايبر ماركت المركزي المتواجد في جميع الدول المُجاورة.

بعد زيارة بعض الأماكن المُختلفة بشكلٍ سريع، افترقنا عند الفندق كون أنس على موعد مع خطيبته اليافعية في بيت أهلها، لكننا سنلتقي مُجدداً إن شاء الله. لم نصعد إلى الفندق، فقمنا بزيارة أحد أقاربنا الذي يملك محل بقالة في شارعٍ قريب، هذا الرجُل لا يسمع جيداً لكنهُ بشوش ويُعتبر حكيم المنطقة حيث يجتمع الكثير من كُهول المنطقة لديه في البقالة يومياً – يعمل لديه رجلٌ تُهامي "من مُحافظة الحُديدة" قدم لنا الشاي العدني "الكرك" الرائع وهو شاي شديد السواد ممزوج بالحليب والسُكّر أصله يعود للهند لكنهُ يُشرب في عدن والإمارات والكويت اليوم.

أريد أن أزور منطقة التوّاهي قبل غروب الشمس حيث يقع بُرج ساعة اللتل بن شبيه البيغ بن الذي في لندن، لكن للأسف وصلنا بعد فوات الأوان فقد غربت الشمس الآن. لم أندم على هذه الزيارة، فقد تعرفت على سوق التوّاهي الذي كان يوماً ما سوقاً عالمياً به مُنتجات تأتي عبر الميناء وتُباع بسعرٍ البلد، كما قُمنا بالصلاة في مسجدٍ قديم داخل السوق يجلس به طُلاب العلم بعد الصلاة لتعلم التلاوة والتجويد – هذا المسجد مُمتلئ حتى بعد الصلاة بساعة أو أكثر، وكأنهم لم يفرغوا من الصلاةِ بعد.

في أحراج التوّاهي، والتي تُعتبر أقدم المناطق العدنية من حيث الأبنية، تجد جمال المعمار الأوروبي من القرن التاسع عشر وبداية العشرون، مُهملاً منسياً، حيث المنازل الفاخرة على الطراز البريطاني القديم، وكذلك المنازل التي تقع على زوايا الشوارع وكأنك في أحد شوارع موسكو أو مدريد.

لم تُفارقني أعلام دولة الجنوب وعِبارات الانفصال منذ دخولي مُحافظة لحج وحتى الآن، فحتى الأبنية الأثرية لم تسلم منها، كما عبرت أمام فرزة قديمة "موقف لسيارات الأجرة" وقعت بها أحداث ثورية في العامين الماضيين فتم تسميتها بساحة الشُهداء، كما تم تعليق صور الشُهداء وأسمائهم ممن وقعوا ضحايا على يد قوات الحكومة هُنا على مُقدمتها من جهة الشارع العام، وبالتأكيد علم دولة الجنوب لم يغب عن المشهد، فهُناك في مكانْ مُرتفِع بالساحة علمٌ عِملاق يُرفرفُ عالياً.

على مسافة غير بعيدة من الساحة تقع منطقة المُعلّا التي يقع بها شارع مدرم الرائع حيث جاء هُنا سُلطان عُمان قابوس في السابق وقال أنه يتمنى وجود شارعٍ كهذا في مسقط. ما يُميز هذا الشارع هو الأسوار عند ضفتيه، حيث أن بين المحلات على الجانبين والشارع سورٌ فاصل يقع خلفه ممرٌ للمُشاه يستخدمه أصحاب المحلات في عمل مقاعد خارجية أو وضع طاولات البلياردو أو بيع الفواكة أو غيره الكثير، كما أن الأبنية على جانبي الشارع منظمة جداً وبقليلٍ من الاهتمام يُمكن للمُعلّا أن تكون نموذجية للعيش. هُنا استوقفتني رائحة شهية لمطعم يقوم بعمل المطبقية، وهي شبيهة بأكلة مصرية تُدعى "فطير مشلتت" حيث يتم حشو العجيب بالجبن أو البيض أو غيره ويتشكل تمازجاً لذيذا بينها والعجين – هُنا جلس رجلٌ هندي ومعه ابنته الصغيرة الجميلة، هذا الرجُل وابنته يتحدثان اللهجة العدنية بطلاقة! كم كانت لطيفة تلك الصغيرة عندما أعطيتها قطعة من المطبقية الساخنة التي أقوم بأكلها فقالت لي بعد أن حاولت تناوُلها من يدي: "حامي!" ووضعتها.

بعد ركوب سيارة أجرة أقلتنا من المُعلّا إلى الشيخ عثمان حيث الفندق الذي نمكث فيه، عبرنا على سوق المنطقة لشراء بعض الهدايا في الطريق إلى المطعم لتناوُل العشاء – تدارست وعادل خطة الغد حيث سنتناول الغداء غداً عند أحد الأقارب هُنا ثم نذهب إلى التوّاهي من جديد إلى بُرج الساعة والشاطئ الذهبي "الجولد مور" وغيرها من المناطق في مدينة التوّاهي التي عشقتها. ملابسي بحاجةٍ إلى الكي ودقني بحاجةٍ للحِلاقة، أنا في حالٍ يُرثى لها شكلياً لكني من شدة الحماس لا أكترِث! الصباح رباح.



أنس خفيف الظِل مع سيارته الكامري ذات اللوحات السعودية


قُبة مُجمع عدن مول من الداخل


بعد صلاة المغرب في أحد المساجد العتيقة بالتوّاهي


"مطعم ومخبازة أبو شنب"






عندما يختلط المعمار الإنجليزي بالعربي الجنوبي


بوابة أحد المُنشأت الحكومية في التوّاهي




اليوم الثامن: الأربعاء 10-4-2013

دعانا أحد الأقارب للغداء في بيته الكائن بالقرب من الفندق، كما أنه كان يدعونا للمكوث في منزله لكني أفضل المكوث في الفندق لآخذ راحتي. الغداء كان زربيان منزلي شهي للغاية من طبخ والدته التي هي ابنة عمي، كما كانت التحلية هي مُقابلة بناته الصغيرات اللطيفات وبالتأكيد كالعادة اغتنمت الفرصة لأخذ بعض الصور لهُن. بعد الغداء خرجنا إلى شارع الحُب الذي يفصل بين بيته والفندق في منطقة الشيخ عثمان – هذا الشارع لا يختلف كثيراً عن شوارع عدن الأخرى التي بمُجملها عبارة عن أسواق عمومية ومساحة صغيرة لعبور المركبات. للوصول إلى أحد مناطق عدن، عليك أن تأخذ سيارة أجرة من المكان الصحيح، حيث أن الأمر ليس أن تركب ببساطة أي سيارة أجرة لتصل إلى وجهتك.

ركبنا من الفرزة أحد الحافلات الصغيرة وتوجهت بنا إلى منطقة التوّاهي مرةً أخرى، التي تحدثت عنها في رحلتي بالأمس، لكننا اليوم وصلنا إليها في الوقت المُناسب للتصوير حيث وللأسف مُجدداً يوجد في الحديقة الكبيرة ببداية المنطقة تمثالاً أريد تصويره للملكة فيكتوريا لكن في كُل مرة أريد ذلك أجد مجموعة كبيرة من الفتيات يجلسن أسفله وينظُرن إلي لذا لم أتمكن من التصوير. قُمنا بصعود الطريق المؤدي إلى بُرج الساعة الذي لا تصعده المركبات حيث صعدناه على أرجلنا، كان صعوداً صعباً على عادل ثقيل الوزن، حتى أن أطفال المنطقة كانوا يضحكون عليه.
من قمة الجبل قصير الطول، تجد البُرج يقع في المُنتصف مُحاطاً من أحد النواحي بسورٍ حجري يطُل على مدينة التوّاهي كاملة مع شاطئها الذي به بعض القوارب والسُفُن المهجورة – بورتريه مُحزِن على ما حل بميناء عدن يتلخص في هذا المنظر، لكن الحمد لله بدأت الحياة تعود شيئاً فشئاً إلى الميناء من جديد بعد فسخ عقد ملكية الميناء للإمارات فور خلع الرئيس السابق من السُلطة حيث كانت الإمارات تُسيطر على حركة الموانئ بتحويل جميع السُفُن إلى موانئها بدلاً من ميناء عدن كما كان الوضع سابقاً.

على الخط الساحلي لمدينة التوّاهي لا يُمكنك أن ترى الخليج في الغالب كون الحكومة قد أنشأت مؤسسات عديدة عليه لخفر السواحل وغيرها - على الجانب الأيسر من ذلك، على كُلِ حال، تقع الأبنية القديمة التي صنعها البريطانيون إبان الانتداب حيث عبرت أمام مسجد وكنيسة قديمين مُتلاصقين أسفل جبل بُرج الساعة، لم تكُن هذه الكنيسة الوحيدة في هذا الشارع الصغير بل ربما واحدً من أربعة صادفتها، كما وجدت مبنىً قديم أشبه بكنيسة تبين أنهُ كان يُستخدم كمشفىً خاص للمسيح الكاثوليك – مُقابل تلك المُستشفى على طريق الساحل، وجدنا طريق فرعي غير مُسفلت فدخلنا فيه، قادنا هذا الطريق إلى حي به أجمل طقس في عدن جمعاء، حيث يقع الحي على مُرتفع يُطِل على الميناء وبه شيئاً من الخُضرة. صلينا المغرب في مسجدٍ بالحي الذي يسكنه البحارة وأفراد خفر السواحل، شعرت براحةٍ نفسية في هذا المكان وأهله الطيبين.

لم نجد مطعماً جيداً في التوّاهي فذهبنا إلى كريتر، وأعوذ بالله من جو كريتر! أخذنا جولة في سوق الطويل من جديد، هذه المرة كان هدفي بائع الكبدة ذاك. بعد ابتياع عادل بعض الكُتُب المُستعملة الثمينة، والتي لا يهتم لها سوى القليلون، لم نجد مطعماً يُناسبنا فكُل المطاعم هُنا تُقدم المأكولات الخفيفة – توجهنا إلى مطعم حلب الكائن في الشيخ عثمان، هذا المطعم يُقدِم بعض الأكلات الجنوبية البحرية الشهيرة مثل اللخم "سمك القرش" والبنجيز "الحبّار" والسلاحف البحرية؛ كلها طازجة مُباشرة من الخليج إلى الطبق! في الطريق إلى الفندق اشترينا المانجا والقات وشراب الشعير لزوم السهرة، غداً إن شاء الله من المُفترض أن أقابل عمّار باعزب الذي تعرفت عليه من الواينتي.



هذه البيجو هي رمز حديقة التوّاهي، جميع أهل عدن يُميزونها


بناية على الساحل لا أعلم الغرض منها، ربما للبحّارة


مسجد وكنيسة، جنباً إلى جنب


بُرج ساعة اللتل بن في التوّاهي


جزء من مدينة التوّاهي من منظور بُرج الساعة


لا أعلم بماذا تُفكِر، لكنها استمرت بهذه الوضعية طوال الوقت


جانبٌ آخر لشاطئ التوّاهي


"الكنيسة الكاثوليكية الرومانية (التوّاهي-عدن)"


كنيسةٌ مهجورة أخرى من كنائس التوّاهي


الغُربان طيور جبانة ومُزعِجة، لكنها تُحافظ على نظافة المنطقة!


حصن قديم مُقابل جبل بُرج الساعة، لا أعرف شيئاً عنه


مشفىً خاص بالجنود الكاثوليك مُقابل الساحل


مطعم حَلَب في الشيخ عثمان للمأكولات البحرية،
"قفيعة، لًخًمْ (قِرش)، أبو مقص (سرطان)، شروخ، سلاحف، بنجيز (حبّار)"


خصّصت الساعات الأخيرة من الليل لكتابة هذه اليوميات،
في الصورة دفتر اليوميات مع القات وشراب موسي تفاح لزوم التخزين




اليوم التاسع: الخميس 11-4-2013

استيقظت على نغمة هاتف عادل وقت أذان الظهر، إنه شقيقه عبدالرحمن الذي يبلغ 20 عام يبشره بأن زوجته حامل للمرة الأولى – عادل سيصبح عم للمرة الأولى وأنا كذلك سأصبح جد للمرة الثامنة. على هذا النبأ السار أفقت، ونسقنا مع أصدقاء عادل، أنس ودحمي، الحضرمي الذي عاد إلى البلاد مؤخراً من مكة، واجتمعنا على الغداء. عادل وأنس ودحمي يوازيا بعضهم البعض بالوزن تقريباً، وأنا المسكين بينهُم!

ذهبنا بعد الغداء إلى منطقة خورمكسر وزرنا السكن الطُلابي الذي قابلت به شباب من زُملاء عادل حالهم كحال دحمي وهم جميعاً الحضارم الذي وُلِدوا في الحِجاز وجائوا عدن للدراسة الجامعية حيث أنهم لا يجيدون أي لهجة سوى الحِجازية. في هذا المكان، قدم لي الشباب كلمة سر الوايرلس – هذه هي المرة الأولى التي أستخدم بها النت منذ وصولي صنعاء، وكان وضع هاتفي الجوال حينها وكأني لم أستخدم النت منذ عامٍ أو يزيد!

هاتفني عمّار والذي لم أقابله سابقاً على أرض الواقع، نسق معي موعداً لمُقابلته وأصدقاءه، رعد العمودي وحسين باعزب. خرجت مع عادل وأصدقاءه خفيفو الظل إلى السوق لتقضية بعض حاجيات أنس للسفر حيث ستنتهي إقامته في البِلاد بعد غد ولا يستطيع تجديدها ولا يعرف كيف سيتزوج خطيبته اليافعية لهذا السبب. كان يُريد شيئاً من العطّار حيث ابتعت الحناء الحضرمية منه – لم يمض الكثير من الوقت حتى هاتفني عمّار مُجدّداً وتقابلنا في فرزة الهاشمي بنفس المنطقة.

تعرفت عليه وأصدقاءه من أبناء عدن وذهبنا بسيارة رعد إلى قلعة صيرة – تقع القلعة على قمة جبل يطُل على مدينة كريتر، يختلف الباحثون في تاريخ بنائها لكن الاتفاق كان على استخدامها، فقد خدمت القلعة كحصن دفاعي منيع استخدمه أهل عدن لصد الكثير من هجمات الغُزاة القادمون عن طريق الخليج.

للوصول إلى القلعة، عليك أولاً أن تأخذ تذكرة بسعرٍ رمزي ثم صعود سلسلة طويلة من العتبات التي تأخذك في رحلةٍ شاقّة حول الجبل وصولاً إلى قمته حيثُ القلعة. الجزء السُفلي من القلعة به بعض المقاعد للاستراحة والتصوير، للوصول إلى القمة عليك أن تسلُك طريقاً بسيطاً من العتبات داخل المبنى المُظلِم لتجد نفسك في السطح. الجو هُنا ساحِر، أما المنظر فأكثر من ذلك! قمت بالتقاط بعض الصور للمدينة في أوقاتٍ مُختلِفة ثم صليت مع عمّار صلاة المغرب على قمة القلعة، ربما كانت تلك أقصى صلاة لي في حياتي حتى الآن، كان شعوراً رائعاً بالروحانية وقت الغُروب.

بعد أن طلب منا الحارس النزول كون القلعة تقفل أبوابها بعد صلاة المغرب، توجهنا إلى كفتيريا تقوم بعمل الشاي العدني "الكرك"، ثم تجولنا حتى قُرب مُنتصف المساء في بعض الشواطئ مُترامية الأطراف في جميع أرجاء عدن، ثم ذهبنا إلى مطعم الحمراء الفاخر وتناولنا المشويات، حينها قلت للشُبان أني لن أخرج معهم من جديد كونهم لم يدعوني أدفع ريالاً واحداً طوال الرحلة.

عدت إلى الفندق لإكمال السهرة، الحادية عشر مساءاً، هُنا يتكي عادل بجانب صديقه دحمي وهم بانتظاري للتخزين – أراكم فيما بعد.



لم أفهم في البداية العامل المُشترك بين البهارات والأكفان،
إلى أن شرح لي أحد العاملين في المحل أنواع البهارات المُستخدمة في التكفين


بهارات حضرمية مُتنوعة في محل الشيباني بالشيخ عثمان


قلعة صيرة في كريتر


أحد أجزاء القلعة حيث كان يستخدمه الجنود لمُراقبة الخليج


ساحل مدينة كريتر،
صور التقطتها في أوقاتٍ مُتفرِقة وقت الغُروب من منظور قلعة صيرة


النفق المؤدي إلى الساحل الذهبي "الجولد مور" في التوّاهي




اليوم العاشر: الجمعة 12-4-2013

نمت ليلة أمس بعد صلاة الفجر، كُنا نُتابع فيلماً هندياً مع دحمي الذي عليه أن يذهب إلى الحافلة تمام السابعة للسفر إلى صنعاء في رحلةٍ جامعية، لكنهُ قرّر ألا ينام الليل حتى "يسحبها نومة" في الحافلة. أحمق، سيُضيع على نفسه المناظر الطبيعية الخلّابة!

بعد صلاة الجمعة في أحد المساجد القريبة، كُنا على موعد للغداء في منزل أحد الأقارب حيث أن اليوم هو يوم عُطلته، لهذا، أخذنا في مركبته وهي وانيت هايلوكس وذهبنا إلى منطقة الصهاريج التي تقع في كريتر. تم إنشاء هذه الصهاريج في عصر دولة الغساسنة التي حكمت عدن يوماً ما، وكانت تُستخدم لمنع السيول المُتشكِلة بفعل الأمطار التي ترتكز بغزارة على سفوح الجِبال من تدمير المدينة وحتى يتمكنوا أيضاً من الاستفادة من تلك المياه، أو بمعنىً آخر تعمل الصهاريج وظيفة السد والبشر في نفس الوقت.

بعد تأدية صلاة العصر في أحد المساجد الصوفية في كريتر، توجهنا إلى مُنتزة الصهاريج القريب منه. مدخل الصهاريج به حديقة عامة تتنوع نباتاتُها، كما قام البريطانيون إبان الاستعمار بعمل سور حديدي نظم ممرات الصهاريج الخطرة كما قاموا بوضع لافتة عند المدخل تُفيد بأن أحد الرُتب العسكرية الكبيرة في الجيش البريطاني هو من قام بإيجاد هذه التُحفة المنحوتة بين جبال عدن بكُل براعة وحِرفية يدوية ليس لها مثيل.

قابلنا في طريقنا للخارج حاج من أهل المنطقة أفادنا بالكثير: أن جميع الأثريات من عصر الغساسنة والفُرس من قبلهم قد قام البريطانيون بالعناية بها في متحف عدن الذي عبرنا أمامه في طريقٍ فرعي يؤدي إلى مخرج الصهاريج، وأن الحكومة اليمنية بعد الوحدة أو تحديداً بعد الحرب الأهلية عام 1994 قد قامت بنهب جميع المُقتنيات من المتحف وبيعها للغرب، حيث احتوت على سيوف مُرصعة بالماس والأحجار الكريمة ودروع وأكواب وعُمل نقدية وغيرهم الكثير، كما أن نفس السنة، 1994، قد شهدت آخر سيل وصل للحوظ الأول من الصهاريج، حيث وجدت بالفعل مياه مُترسِبة من بقايا ذاك السيل المزعوم – أشار لنا شخصٌ آخر كان من حاضري المُحادثة ويبدو ضالعاً في تاريخ المنطقة، بعد أن أشرت إليه بالسؤال عن طريقٍ غريب في أحد الجِبال التي تُحيط بالصهاريج، بأن هذا الطريق يؤدي إلى قمة الجبل التي هي عبارة عن مقبرة جماعية للفُرس الذين حكموا المنطقة قديماً لفترة.

في مُنتصف الصهاريج تجد بائعاً للأثريات بجانب شجرةٍ غريبة تتدلى منها حِبال عُشبية تُشبه تلك التي يستخدمها طرزان في تنقُلِه عبر الغابة. تعرفت على الرجُل البشوش وهو تُهامي "من مُحافظة الحُديدة" قد عمل لمُدة 20 سنة في البحث والتنقيب عن الأثريات وتجميع العُمل النقدية النادرة في جميع أرجاء البِلاد – هذا الرجُل لديه كنوز أثرية بأسعارٍ زهيدة للغاية! لديه عُمل نقدية من عصور ما قبل الإسلام وبعده، كما أن لديه من النُحاسيات النفيسة ومن حُلي النِساء والأكواب والمفاتيح العُثمانية وغيرها من الأشياء التي جعلتني في حالة ذُهول، حيث لا يجد هذا الرجُل أي تقدير لهذه النفائس سوى من السُياح الأجانب الذين انقطعوا تماماً في العامين الماضيين بسبب الأوضاع السياسية، مُشيراً إلى أن السُياح العرب لا يُعيرون هذه الأشياء الاهتمام المطلوب.

في طريقنا من الصهاريج إلى شاطئ الجولد مور، عبرنا في أحد الجولات "الدوارات" التي تقع أمام تل مبني عليه كنيسة رائعة حافظت على جمالها وحضورها منذ عصر الاستعمار البريطاني وحتى اليوم، إنها كنيسة القديسة ماري جاريسن الكاثوليكية في كريتر، والتي تُحافظ عليها الحكومة البريطانية حتى يومنا هذا بحرص كما تُحافظة على مقبرة الجنود الإنجليز الواقعة في أطراف كريتر أيضاً في الطريق إلى المُعلّا بالإضافة إلى بُرج الساعة في التوّاهي.

شاطئ الجولد مور كما أسماه البريطانيون أو بالعربية الشاطئ الذهبي، أطلق عليه البريطانيون هذا الاسم لأن منظر هذا الشاطئ يكون ساحراً وقت غروب الشمس، فتمتزج أشعة الشمس وقت الغروب بالمياه والرِمال ليؤلفا معاً سمفونية ذهبية جميلة. كُل شيءٍ هُنا ذهبي اللون، جئت إلى هُنا مساء أمس ولم يكن المكان بهذا الجمال كما رأيته قبل قليل! مساحة الشاطئ ليست بكبيرة، لكنه الواجهة البحرية الأفضل في عدن قاطبة، كما يوجد على زاويته اليُسرى مُنتجع الفيل الذي أطلق عليه هذا الاسم نسبةً لصخرة تقع على شاطئه منحوتة بفضل عوامل التعرية الطبيعية على شكل فيل، شبيهة بصخرة الروشة في شاطئ بيروت.

هُنا على الشاطئ يجتمع الجميع، في مُنتصف الرِمال هؤلاء الشُبان يلعبون كُرة الشاطئ، وهؤلاء الفتيات يقُدن البانشي "الدبّاب"، وذاك الرجُل يمتطي الخيل، أما أمام البحر مُباشرة فتستمتع تلك الأم بالنظر إلى أبناءها يلعبون بمياه الخليج، أما أنا فتجدوني على ذاك الدرج الحجري أستمتع بمُشاهدة أبناء بِلادي وهُم يقضون وقتاً مُمتعاً وأشعر بالسعادة لسعادة أولئك الأطفال الذين يلعبون بالرمال الذهبية.

غابت الشمس لكن الأحاديث والنِكات بيننا لم تغيب في شتى الشوارع والشواطئ. توجهنا إلى عدن مول، حيث كان مُزدحِماً هذا المساء كونهُ يوم الجُمُعة – هُنا تجد خليطاً بين العوائل والشُبان والشابّات، بين المحلات والمقاهي والمطاعم وكذلك خارجاً على الممشى الذي يُطلقون عليه ساحل العُشّاق. المكان جيد لكني لا أستمتع في المُجمعات التجارية حيث أنها تُشعرني بالملل سريعاً.

تناولنا العشاء في مطعم الشرق الأوسط بمنطقة الشيخ عثمان الحيوية، كان العشاء على غير العادة كوني لا آكل الأسماك سوى نادراً، وهو بروست لخم "سمك القِرش" – قدمنا إلى هُنا عن طريق قريبي عرفات الذي رافقنا طوال اليوم، وفعلاً كان المطعم على مُستوى. توجهنا بعد العشاء إلى منطقة جديدة تُدعة اللحوم وهي تابعة لمُديرية دار سعد خلف الشيخ عثمان، هُنا تجد المنازل الفاخرة والقصور الجديدة كُلياً حيث تُبشِر بتوسُع وازدهار المنطقة في الأعوام القليلة القادمة – أخذنا عرفات إلى هُنا، وهو تاجر وسمسار، ليرينا الأراضي الذي قام بشرائها مؤخراً ويقوم بإعمارها له وإخوته، الأسعار زهيدة حقاً، هي ليست كذلك بالنسبة لمن يعيشون في البِلاد لكنها بالنسبة لي زهيدة، والجميل في عدن أنها صغيرة الحجم، كُل شيء تحتاجه قريبٌ منك وأطول مشوار لا يتكلف نصف ساعة.

عُدنا إلى الفندق، من المُقرّر أن يكون يوم غد آخر يومٍ لنا في عدن حيث سنُسافر إلى مُحافظة شبوة عبوراً بمُحافظة أبين، لكني سأعود إلى عدن بإذن الله كوني سأعود إلى الكويت من مطار عدن أولاً ثم مطار صنعاء في نفس اليوم.















صهاريج عدن، مبنية يدوياً في عصر دولة الغساسِنة


لافتة وضعها البريطانيون على مدخل الصهاريج


هذه المادة مُطابقة للمادة المُستخدمة في أهرامات الجيزة
وهي تمنع الصخور من التفتُت بفعل المياه الراكِدة


الطريق المؤدي إلى مقبرة الفُرس


تأبى الطبيعة أن تستسلم من بين صناعات البشر!


من أزهار حديقة الصهاريج العامة


تتدلى هذه الجذوع الغريبة من الشجرة الضخمة في الحديقة


بائع الأثريات التُهامي، 20 عام من السعي خلف النفائس


الشيخ الذي حكى لنا تاريخ الصهاريج


متحف عدن المنهوب، مُغلق حتى إشعارٍ آخر!


أحد سواحل خورمكسر حيث يذهب الشُبان بالقوارب إلى مناطق
بعيدة في الخليج للغوص في المياه العميقة


المُنتجات الغذائية الوطنية تملأ السوق، ولله الحمد




اليوم الحادي عشر: السبت 13-4-2013

كنت مدعواً للغداء في منزل أهل زوجة أخي وهُم جيران قريبي عرفات، بعدها توجهنا لمُقابلة أحد أصدقاء عادل، اسمه ماجد وهو زبيدي من مُحافظة الحُديدة من مواليد جيزان ويدرُس الصيدلة في جامعة عدن. اجتمعنا أيضاً مع بعض الشباب الآخرين لتوديع أنس الذي انتهت إقامته في الدولة وعليه أن يعود إلى مكة. بعد أن تركت الشباب، قرّرت أن أودع عدن الجميلة بجولةٍ في أرجائِها وحدي هذه المرة.

وجهتي الأولى كانت مسجد أبان في كريتر، هذا المسجد المُجَدّد كُلياً قد قام ببناءه الخليفة الثالثة للمُسلمين، الصحابي الجليل عُثمان بن عفّان رضيَ اللهُ عنه وأسماه أبان كناية عن ابنه أبان بن عُثمان بن عفّان. يُقابل هذا المسجد أكبر كنيسة في عدن، وتُجاورها كنيسة القديسة ماري جاريسن التي سبق وجئت على ذِكرها – كما هو الحال في جميع مساجد البِلاد، بعد كُل صلاة هُنالك مجلس عِلم، لهذا نادراً إن وجدت مسجداً خاوياً هُنا من صلاة العصر إلى بعد صلاة العِشاء.

بعد التجوُل قليلاً في أحراج المنطقة والتعرُف على أهلها، توجهت إلى التوّاهي، أقدم وأجمل مناطق عدن المنسية – للأسف بعد أن قُمت بتصوير نُصُب الشهيد الواقع في مُقدمة المنطقة بأحد الحدائق، لاحظني أحد العساكر وطلب مني مسح الصورة كون هُنالك مُنشأة حكومية عسكرية بجانب الحديقة أي أن التصوير ممنوع قطعياً لدواعٍ أمنية، كذلك لم أتمكن من تصوير تمثال الملكة فيكتوريا الواقع في الحديقة المُجاورة كونها مليئة بالعائلات، فلا أحد يسمح بتوجيه الكاميرا تجاه زوجته أو ابنته أو حتى أي امرأة غريبة في جميع أنحاء هذه البِلاد، بقصد أو دون قصد.

في عدن يوجد الكثير من المُنشأت المعنية باستقطاب السُياح لكنها للأسف قد هُجِرَت من قِبلِهِم. أحد تلك المُنشأت المرسم الحُر الذي يضُم مجموعة من اللوحات الفنية لفنانون وهواة يمنيون – يقع المرسم مُقابل استراحة البحارة القديمة على الشاطئ التي سبق وإن جئت على ذِكرِها.

توجهت إلى المُعلّا، سرت على قدماي فوجدت نفسي عند أحد الشواطئ المهجورة حيث تم تسوير هذا الشاطئ بالشبك وكأنهم سيقيمون مشروعاً في هذا المكان. لهذا الشاطئ إطلالة رائعة على ميناء عدن الذي ليس به اليوم سوى بعض قوارب الصيد المُهاجرة بالإضافة لباخِرة صينية مهجورة منذ فترةٍ طويلة. رِمال هذا الشاطئ بُركانية قاتمة السواد وكأنها سمادٌ زراعي، تشتم هُناك رائحة الحريق النابعة من هذا التُراب الذي به بالإضافة للسواد جميع تدرُجات اللون البُني – هذا الشاطئ مهجور، لا يأتي إليه سوى المصورين وبعض الشباب للعب كُرة القدم.

لا شيء يُذكر بعدها، تجولت قليلاً في سوق الطويل بكريتر، جئت خصيصاً مرةً أخرى لبائع الكبدة ذاك! بعدها توجهت إلى منطقة الشيخ عثمان وقابلت عادل وماجد في مطعم للأكلات البحرية الذي تم تزيينه بالكامل بقواقع السلاحف البحرية العملاقة التي يُقدمون لحومها كأطباق. يقع المطعم في فرزة الهاشمي خلف الفندق، نفس المكان الذي سننطلق منه إلى شبوة لزيارة الأهل هُناك وتقضية بعض الوقت في الريف – تعرفت على أحد السائقين وتبين أنه جارنا هُناك كما أعرف عمه شخصياً في الكويت، وأفادني أن الرحلات إلى شبوة تبدأ من بعد صلاة الفجر؛ يجب أن ننام جيداً.



مسجد أبان في كريتر، بناه الخليفة عُثمان بن عفّان –رضيَ اللهُ عنه-






المسجد من الداخل


كنيسة القديسة ماري جاريسن في كريتر،
تقع على تل مُرتفِع يطُل على سوق الطويل وسوق الحريم


أكبر كنائس عدن، لم أستطع تصويرها بالكامل فهي طويلة


رقصة الجنبية اليافعية،
من اللوحات التي أعجبتني في المرسم الحُر في التوّاهي








أحد الشواطئ الغامضة في خورمكسر


قواقع السلاحف البحرية العملاقة على حائط المطعم




اليوم الثاني عشر: الأحد 14-4-2013

من الصباح الباكر انطلقنا مُسرعين إلى الفرزة السادسة صباحاً، رعم أني لم أن جيداً ألا أني مُتحمس لهذه الرحلة التي يصفها عادل بالمُمِلة حيث أنهُ مُعتادُ عليها. قابلنا أحد أقربائنا وهو من سائقي سيارات الأجرة الخاصة بمُحافظة شبوة من نوع تويوتا لاند كروزر 1984 واتفقنا معه ثم ذهبنا إلى المطعم المُقابِل، قبل أن يصل إفطارنا الذي طلبناه أعلن السائق اكتمال عدد الرُكاب والاستعداد للانطلاق في رحلة السبع ساعات التي يبدأ خط سيرها من عدن مروراً بمُحافظة أبين بالكامل عرضاً وصولاً إلى مدينة عِزّان التي تقع في مُديرية ميفعة أقصى مُحافظة شبوة باتجاه مُحافظة حضرموت شرقاً، حيث من هُناك سنقوم بأخذ سيارة أجرة ثانية للوصول إلى قرية الحوطة التي تبعُد عن عِزّان بضع دقائق فقط. أكلنا بسُرعة حتى نلحق بالرحلة وودعنا ماجد الذي رافقنا إلى الفرزة على أمل لقاءه مرةُ أخرى.




عبر الطريق الساحلي انطلقنا ودخلنا مُحافظة أبين المليئة بالغُموض. أول الأشياء التي شدت انتباهي في أبين هي عدم استغلال المناطق الساحلية شاسعة المساحة، فتبين لي أن هذه الأراضي تربتها شديدة الملوحة ولهذا لا يُمكن إقامة المباني هُنا كون أساساتها ستكون مُعرّضة للتحلُل والانهيار، باستثناء عاصمة المُحافظة، زنجبار، التي تقع على زاوية الساحل بالقُرب من عدن.

من المُثير للانتباه أيضاً، التباعُد الغريب بين القُرى والمُدُن الواقعة على الطريق، فمثلاً، تجد مصنعاً كبيراً للثلج في وسط الصحراء، أو بضع منازل صغيرة هُنا وهُناك على جانب الطريق، كما عبرنا أيضاً على طريق يقع وسط قرية بيوتها واقعة على جانبي الطريق، من المُثير للاهتمام والحيرة هو أني لاحظت تمكين الساكنين في هذه المنازل إيصاد جميع النوافذ، فوضّح لي عادل بأن ذلك بسبب "التار"أو الثأر القَبَلي بين هتين القبيلتين اللتان تعيشان جنباً إلى جنب!
منذ بداية المُحافظة وحتى نهايتها تُلاحظ شِعارات مثل: "الشعب يُريد تحكيم شرع الله"، حتى أني وجدت اللافتات التي بها شِعار نِسر الجمهورية قد تم شطبه بالأحمر وكُتِبَ عليه: "الله أكبر" – تلك كانت بعض لمسات تنظيم القاعدة أو كما يُطلقون على أنفسهم "أنصار الشريعة" حيث دارت هُنا في أبين حرباً طاحنة بينهم والحكومة اليمنية منذ عامين فور تسلُم الرئيس الحالي، عبد ربه منصور هادي السُلطة، تم على إثرها نزوح غالبية سُكان المُحافظة إلى المُحافظات المُجاورة مثل عدن ولحج وشبوة.

آثار الدمار والحُزن واضحةً هُنا، فتجد ستاد أبين الرياضي بالقُرب من الساحل والذي تم إنشاءه خصيصا ً لدوري خليجي 20 لكُرة القدم الذي أقيم في عدن وأبين منذ أعوام قد تم تدميره بالكامل بعد أن سيطرت عليه القاعدة واستخدمته كحصناً لها، بعد أن تكلف بناءه الملايين من أموال الدولة! كذلك البنايات الأخرى على الطريق لم تسلم، فهُنا محطة وفود قد تم نسفها ومنازل ريفية قد تم استخدامها هي الأخرى للغرض العسكري بعد أن هجرها أهلها خوفاً على حيواتهم.

من صور الحرب أيضاً تلك القرية الواقعة بين الجِبال والتي نسفها الأمريكان بالكامل بطائرة بدون طيار وعليها تم قتل حوالي 60 مدني بين طفلٍ وامرأة لهدف تصفية قيادي في القاعدة من أهلها لكنه مع ذلك لم يُقتل في الإغارة – العُبور أمام تلك القرية فعلاً أمرٌ مُحزِن، وكأنك تمشي على جُثث الأبرياء المُتناثرة أشلائهم على طول الطريق!

بعيداً عن الحُزنِ والأسى، انتهت الحرب والحمد لله وكانت النتيجة تشتيت شمل القاعدة وفنائهم من المنطقة نهائياً بالإضافة لعودة أهل أبين من المناطق التي نزحوا لها إلى ديارهم لكن يبقى دور الدولة مطلباً في إصلاح ما تم تدميره، نقاط التفتيش المُكثّفة التي صادفتها على طول الطريق لا تكفي.

يتنوع الغطاء الجويولوجي في أبين من منطقةٍ لأخرى، فهُنالك منطقة تُدعى "العرقوب" تحتوي جبالها على قوة مغناطيسية تُجبر جميع المركبات أن تسير ببُطء حتى وإن حاول السائق زيادة السُرعة، فلا تستطيع أن تتحكم بالسُرعة أو توجيه عجلات المركبة بسهولة وكأنك تسير على شارعٍ مُمغنَط! كذلك من المناطق الواقعة بالقُرب من نِطاق مُحافظة شبوة توجد سلسلة جبلية عظيمة شكلها أشبك بالسيراميك المُحطّم مُتعدد الألوان – أعجبني منظرها، سُبحان الخالِق المُصوِر.




الآن وصلنا إلى مُحافظة شبوة، ثالث أكبر المُحافظات مساحة بعد حضرموت والمهرة – هذه المُحافظة تُشبه الإمارات قبل اكتشاف البترول، جميع أهلها من البدو ينتمون بالأصل إلى عوائل جائت من حضرموت ويافع بالأكثرية، قد كانت شبوة تاريخياً عاصمة لأرض حضرموت حيث لا يختلف الأرضان كثيراً حقاً فالساحلان يتشابهان والواديان أيضاً يتشابهان كثيراً. جدي الأكبر كان أحد مؤسسي مدينة شبام التاريخية في وادي حضرموت لكنه في أحد المراحل نزح إلى شبوة تحديداً لقرية حوطة الفقيه علي أو كما تُعرف تلخيصاً بالحوطة وعاش بها بقية حياته. وُلِدَ والدي في الحوطة وعاش بها حتى سن البُلوغ، وهذا كان السبب الأساسي من رحلتي: التعرُف على البيئة التي نشأ بها والدي.

وصلنا أخيراً بعد سبع ساعات من السفر إلى مُديرية ميفعة الواقعة في الجنوب الشرقي من مُحافظة شبوة، الجِبال هُنا صخرية كما هو الحال مع بقية أنحاء المُحافظة التي تتنوع بها أشكال الجِبال الصخرية والنباتات. جِبال ميفعة شبيهة بجبال روكي الأمريكية، أكبر سلسلة جبلية في العالم، حيث أن قممها مُسطحة ولونها بُني أشبه بالجِبال الرملية، أشجار النخيل في كُل مكان وكذلك صُخور الصلبوخ الأبيض مُنتشرة في منطقة السيول في وادي الحوطة والتي تأتي عبرها السيول الموسمية سنوياً.

الحوطة، هذه المنطقة معزولة عن العالم، حتى الشارع المُزفلَت ينتهي بك إلى منطقة السيل ولهذا أهل شبوة لا يقودون سوى سيارات الدفع الرُباعي اليابانية لأنها الوحيدة التي تتحمل هذه الوعورة. تقع الحوطة وسط واد مُحاط بسلسلة جبلية عظيمة أعظمها جبل سقاه العملاق، حيث تتوزع المنازل الطينية العظيمة الأشبه بالقُصور بترتيبٍ عشوائي وبنفس لون الجِبال البُني الفاتح والأرض الرملية وحتى غالبية المركبات لتُشكِل تناغُماً رائعاً لهذا اللون الأنيق.

في طريقي صعوداً في الجبل إلى بيت أبي برفقه أخي الغير شقيق محمد، والذي رافقني مع أبناءه وبناته من عِزّان، وبين الطُرُقات المُرتفِعة حول الجبل، كان مشهداً من ضرب الخيال، حيث قُمن النِساء من جميع نوافذ منازل الحي بإصدار الزغاريد وكأني بطل عائدُ من الحرب! – هكذا يُرحِب النِساء البدو بالمُسافِرين، كانت تلك الأصوات كالحُلم بالنسبة لي حتى أني في بادئ الأمر ظننتها نغمة هاتف أخي محمد!

رغم أني لم أنم جيداً في عدن، ألا أنه من غير المسموح لي أن أنام الآن، فقد جاء الكثير من الضيوف إلى بيت أبي الذي تسكنه زوجة الأولى، والتي أدعوها "خالتي" والتي كانت تستعجل قدومي من صنعاء منذ وصولي من شدة حماسها. تعرفت اليوم على أبناء وبنات إخوتي الغير أشقاء وبعض أزواجهم وزوجاتهم. الجميع هُنا أقاربي، أحدهم يدعوني عم والآخر خال حتى أن بعضهم "أبناء أبناء إخوتي" يدعونني جِد.

الحياة هُنا بسيطة للغاية والناس متواضعون جداً – أمام مسجد والدي مسجد تعرفت على بعض الأشخاص منه ودعوني جميعاً للغداء، لا أعلم إن قَبِلت جميع تلك العُروض كم سأمكث هُنا لأوفي بِها! أما المساء فهو حالِك الظُلمة لا ترى في السماء سوى النُجوم وكأنها ضربٌ من السِحر، مشهد من الصعب أن تراه في المُدُن بفضل المصانع والتلوُث البيئي، ناهيك عن الهُدوء الفضيع حيث تنقطع الحياة في الشوارع تمام التاسعة مساءاً كُلَ يوم، فالجميع يلزم بيته للعشاء وتقضية المساء مع الأسرة قبل النوم.

غداً سيكون يوماً حافلاً، علي الاستيقاظ في الثامنة صباحاً لاستقبال الأهل والجيران والزوار – خالتي تُلَمِح أنها تُريد أن تُزوجني؛ الله يستر!



سيارات الدفع الرُباعي اليابانية تويوتا لاند كروزر 1984 في الفرزة
تحمل الرمز 15 وهو رمز مُحافظة شبوة


طريق العرقوب المغناطيسي في أبين


أشجار السيسبان عديمة الفائدة والتي تخرُج تلقائياً في كثيرٍ من المناطق


تل صغير وسط السلسلة الجبلية الشبيهة بالسيراميك المُحطّم في أبين


صورة بانورامية لقرية الحوطة وتظهر أحيائها من اليمين إلى اليسار:
البريقة، الشِعب، السوق، الصُفيّة، بامرصعة، ينخَب، العَبَر


مسجد النور، من أحد نوافذ منزل والدي






بيت والدي:
مجلس الرِجال في الطابق الأول
مجلس النِساء في الطابق الثاني
البيت من الخارج وبجواره بيت والدي الجديد قيد الإنشاء




اليوم الثالث عشر: الإثنين 15-4-2013

في تمام الثامنة صباحاً أيقظتني خالتي لتناوُل الصبوح "الإفطار" والاستعداد لاستقبال الأهل والزوار. كان الصبوح شبواني مُتواضِع: عِجة البيض مع عجين الخمير وشاي الحليب، من عمل زوجة ابن أختي الغير شقيقة حيث أن في بيوتنا حينما تبلُغ الفتاة قُرابة الثانية عشر ينتهي دور الأم في أعمال المنزل لهذا تقوم هذه الفتاة التي لا يتجاوز عمرها السبعة عشر عام بجميع أعمال المنزل بما فيها الطبخ فلا تدع شيء لخالتها قط.

بعد الفطور، جاء السلّاخ ومعه كبش لينحره استعداداً لعزومة اليوم التي أقامها والدي بمُناسبة زيارتي للبِلاد – السلّاخ أيضاً أحد أقربائي الذين تعرفت عليهم اليوم. لم يمض الكثير من الوقت حتى وصل الأهل والأقارب وأصدقاء والدي الطاعنون في السن والذين عاصروه سواءاً في شبوة أو دُبي أو مكة أو حتى الكويت.

لأول مرة أقابل أشخاص يُشابهون والدي كثيراً في كُلِ شيء! هذا أحد أصدقاء والدي منذ أكثر من 75 عام، ألزمني بالقدوم إلى منزله للغداء بعد غد. هذا الرجُل قضى 40 سنة من حياته في مكة المُكرّمة لذلك يتحدك الحِجازية هو الآخر بطلاقة – فاتحني اليوم من فاتحني بأمر الزواج، كما توقعت، وأعربت في المُقابل عن عدم جهوزيتي في الوقت الحالي مادياً للالتزام، ففي النهاية سأعود حتماً إلى هُنا حينما أتخذ قراري سواءاً إلى الحوطة أو أي منطقةٍ غيرها في اليمن، فبدون مُجاملة لن أجد أفضل من نِساء هذه البِلاد بين العرب.



شاحنة مُهملة من عصر الانتداب البريطاني في شوارع الحوطة


بُستانٌ صغير من بساتين الحوطة يُسقى بمياهها الجوفية العذبة




اليوم الرابع عشر: الثلاثاء 16-4-2013

يومٌ ريفيٌ بسيطٌ آخر، بدأت أعتاد حياة والدي وأهلي في هذا المكان، فجميع الأيام تُشبة بعضها هُنا، حيث يعمل ربُ الأسرة من الصباح الباكر إلى قبل أذان المغرب، ثم يعود إلى المنزل ليغتسِل من كَبَد اليوم وبعد أن يُصلي المغرب في المسجد يذهب للسمر مع أصدقائه في الشارع أو الوادي وبعد صلاة العِشاء يكون وقت العائلة حيث يحكي لهُم عن يومه إلى الحادية عشر حيث موعد النوم.

والدي يقوم ببناء بيتٍ آخر مُلاصق لبيتهِ هذا المبني من عام 1960 وخصّصه لي ولأخوتي في حال أتوا يوماً ما إلى هذهِ البِلاد – تفقدت المنزِل الغير مُكتَمِل، هذا كان قبل الظُهر، أما في العصر فقد جاء ابن عمي الذي يبلغ من العُمر 69 عام وأخذي بجولة في المنطقة وقص علي عن أهل بيوتها قبل أن يدعوني إلى منزله للتعرُف على أبناءه، كما أنهُ جاء مع خالته التي يبلغ عمرها أكثر من 100 عام والتي جاءت خصيصاً لمُقابلتي.

قمت مع عبدالله ابن أختي التي تعيش في حضرموت بأخذ جولة أخرى بعد صلاة المغرب وزُرت بعض أصدقاء والدي، أحد كبار السن هؤلاء يمشي على كُرسي بعجلات كاد أن يبكي عندما تعرف علي، حيث أنه لم يرى والدي من أكثر من 20 عام – كانت هذه المرة هي الأولى في حياتي التي أدعو أحدهم بلقب "عم" حيث لم أعاصر أياً من أعمامي أو أجدادي قط، وهذا الرجُل بمثابة أخ لوالدي حيث أنه كان يذكرهُ لي كثيراً.

غداً سيكون يوماً آخر في الحوطة؛ أنا أستمتع بمكوثي هُنا رغم صعوبة الحياة دون النت والتكييف.




اليوم الخامس عشر: الأربعاء 17-4-2013

يومٌ جديد في الحوطة، سار على منهاج الأيام الماضية، فقد التقيت ببعض الأقارب ممنا عاصروا حياة والدي الذي يُعتبر من أقدم أجيال المنطقة. جميعهم يُشابهونه باللهجة وبعضهم بالشخصية والتصرُفات والشكل – رغم أني لا أشابه والدي شكلاً بتاتاً، لكن غالبية من ألقوا علي التحية والترحيب كانوا يعلمون أني ولده! فيدعون والدي هُنا بلقب "التختر" أو الدكتور باللهجة المحلية لقصةٍ قديمة لن تهمكم إن حكيتها أما جدي فيدعونه "بلّكسر" أي مقطوع الرِجل. بالإضافة لاكتشافاتي الكثيرة عن حياة أعمامي الذين لم أعاصر أياً منهُم، اكتشفت أن جدة والدي "أم والده" كان اسمها "جبرة"، رحمها الله؛ مُفارقة غير مُتوقعة!

ذهبت قبل المغرب أيضاً إلى بامرصعة وهيَ حي من أحياء الحوطة التي تبعد 10 دقائق سيراً على الأقدام من حي الشِعب الذي به بيت والدي. هُنا في بامرصعة يقع منزل أخي الأكبر فهد والذي هو والد عادل، يسكن البيت المُكون من طابقين عادل وشقيقيه مع زوجاتهم ووالدتهم – أكثر ما أعجبني في هذا الحي الجو الجميل والهدوس التام طوال اليوم.

غداً إن شاء الله سأعود إلى هُنا للغداء مع أبناء أخي فهد الأربعة، ثلاث شُبان وفتاة، والتي تمكُث مع أشقائها لبضع أيام بسبب غياب زوجها في العمل، أظنني سأستمتع بسبب وجود الأطفال في المنزل.



من أحد نوافذ منزل شخص كنت مدعواً لديه على الغداء


صورة لعادل أيام الطفولة وجدتها عند جدته "خالتي"




اليوم السادس عشر: الخميس 18-4-2013

قضيت اليوم في بامرصعة ببيت أخي فهد، كان يوماُ مُمتعاً برفقة بنات عادل وبنات شقيقته. كان من المُخطّط أن أعود إلى الشِعب بعد صلاة المغرب لكني اضطررت للمبيت لديهم إلى ظهيرة اليوم التالي – تخلّل اليوم رحلة قنص بالأسلحة النارية الثقيلة على مشارف جبل سقاه العِملاق الذي يطُل على قرية الحوطة بجميع أحيائها مع عبدالحكيم، ابن خالة عادل، وهو من عُشاق الأسلحة حتى أنه يُطلق اسماً مؤنثاً لا أذكره على سلاحه من نوع الـ AK-47 أو كما يدعونه محلياً بالآلي.



عادل يلعب مع ابنته سلمى، حفيدتي


مجموعة من حفيداتي: فاطمة، شيماء، سلمى، أنوار


من رحلة القنص مع سلاح عبدالحكيم وسلاح أخي فهد


ديك الدواجن التي يقتنيها أبناء أخي فهد خلف المنزل




اليوم السابع عشر: الجمعة 19-4-2013

بعد صلاة الجمعة في الشِعب، كان بانتظاري اثنان من أبناء أخي محمد: علي وعبدالله، اللذان رافقاني إلى قريةٍ أخرى في مُديرية ميفعة وهي قرية جول الريدة الواقعة على خط السفر إلى المُكلّا-عدن. هُناك تعيش شقيقتهُم والتي هي ابنة أخي محمد – لم أستطع الخروج من هُناك إلا بعد الساعة العاشرة مساءاً، فقد استمتعت بمُجالستهم وأشقاء زوجها. في نفس هذا البيت توفيت ابنة أخي محمد الكُبرى بسبب السرطان في عز شبابها بعد أن أنجبت صبي وفتاة، فزوجه أخي محمد ابنته الأخرى لتعتني بالأطفال حتى لا يكبرون من دون أم، فكما يُقال: "الخال والد".

في نهاية المساء، وصلت إلى عِزّان حيث بيت أخي محمد، كانت سهرة مُمتعة معهم، أعطيتهم فكرة عن الحياة خارج بساطة وتواضُع اليمن واسترسلنا في الحياكا حتى طلوع الفجر.



مسجد النور ومنازل آل بامسلّم من حوله وسط الحوطة


وادي جول الريدة حيث تأتي بهائم، والسيول


أحد منازل جول الريدة القديمة المُنهارة بفضل عوامل التعرية




اليوم الثامن عشر: السبت 20-4-2013

مند بداية الصباح، توجه أخي محمد إلى بقالته الواقعة في واجهة بيته، أما أنا فخرجت مع ولده الشاب، علي، في جولة حول سوق عِزّان الحيوي المليء بالمحال والمخازِن والحركة. لا تبعُد عِزّان سوى بضع دقائق عن الحوطة أو جول الريدة فهي تقع بينهُما، لهذا لم يكن غريباً أن أرى في أغلب المحلات شباب من الحوطة يعملون حتى نهاية العصر ثم يعودون إلى زوجاتهم في الحوطة وهكذا كُلَ يوم.

قابلت اليوم الكثير من أقربائي والذين يعملون في شتى المجالات: أدوات صحية، مواد غذائية، مخازن، ثلج وآيس كريم، سيارات أجرة... إلخ. يُمكن القول بأن عِزّان هي الحي الحيوي التجاري التابع للحوطة، أما الحوطة ذاتها فهي المسكن والممسى.

يختلف العِمران كثيراً في عِزّان، فقد تعرفت على الحي القديم الذي كان نشطاً أيام حُكم السلطنة الواحدية في شبوة والذي تُشابه أبنيته أبنية الحوطة بعض الشيء، لكن المنازل الحديثة في بقية المنطقة عبارة عن طابوق وإسمنت وليس له أي ملامح خارجية حيث لا يهتم الناس هُنا بجمال الأبنية الخارجي أو كما يُقال: "الجمال جمال الروح".

عُدت الآن إلى الشِعب في الحوطة، كان مساءاً روتينياً مع ابن أختي الذي عمل لفترة في الكويت لكنه فضل العودة إلى هُنا والعمل في عِزّان وتقضية المساء مع زوجته في الحوطة كما يفعل بقية الشباب الذي يُقاربوننا في السن هُنا.



وادي عِزّان، حيث مجرى السيل


جانب من عِزّان القديمة، من المُدُن المركزية عصر السلطنة الواحدية


قُرون الوعل، يستخدمها الشبوانيون والحضارم عُموماً لتزيين بيوتهم
بعد أخذها من رأس الوعل حيث يفتخر الرجُل بأنهُ قد أمسك بأحدهم أو أكثر
حيث يدُل عدد القُرون على البيت بعدد الوعول التي ذبحها صاحب البيت


مكب نفايات من أيام حُكم تنظيم القاعدة للمنطقة منذ بضع سنوات


وانيت شفروليه عتيق كان سابقاً في الكويت قبل الغزو
لكنهُ وجد طريقه إلى عِزّان وعليه اللوحات القديمة
حيث تم الآن استبدال أسماء المُحافظات على اللوحات برُموز "أرقام"


أحد محلات البامسلّم في عِزّان


عبدالله ابن أخي محمد يُلقي خُطبة الجُمعة




اليوم التاسع عشر: الأحد 21-4-2013

يوماً بعدَ يوم، يزداد شعوري بالألفة في هذه البِلاد وكأني أعيش بين جِبالها منذ قديم الزمان، حيث لم يكُن في صباح اليوم ذاك الشيء الذي يُميزه عن بقية الأيام القليلة الماضية حيث قُمت بزيارة ومُقابلة بعض الأقارب والتجوُل في أنحاء الحوطة – الشيء المُميّز الذي حصل اليوم هو بعد صلاة العصر حيث هاتفني عادل والتقينا في منطقة الوادي أو مجرى السيل، بعد احتساء الشاي قررنا أن نكسر روتين المنطقة. صعدنا اليوم أحد جِبال الحوطة، تلك السلسلة الجبلية الواقعة حول جبل سقاه العِملاق الذي يتطلب الوصول إلى قمته 6 ساعات من العناء حيث أن لا أحد يقوم عادةً بعمل ذلك سوى صيادي الوُعول من أهل المنطقة البدو.

برغم الحرب التي دارت هُنا على هذه القمة عام 2010 بين القاعدة والجيش، ألا أن المكان لا يُمكنه أن يكون أكثر سلمية الآن، فلا ترى هُنا سِوى القليل من الفتيان بعيداً يصعدون الجبل يومياً للعب كُرة القدم، بالإضافة لبعض هياكل الشاحِنات المُعدمة التي وصلت إلى هُنا منذ سُنون طويلة قبل أن يتم تعطيل الطريق المؤدي إلى هذا الموقع الساحِر. عندما كانت الأمطار تسقُط بغزارة هُنا في الحوطة، كانت هذه القِمة، قمة جول خميس، تكثر فيها الخُصرة، أما اليوم، فلا شيء من ذلك يُذكر سوى الحصى.

فور نزولنا من الجبل كان باب المسجد أمامنا حيث كان وقت صلاة المغرب – بعد الصلاة كانت عودةً أخرى لروتين العيش في هذا المكان حيث يتبادل الشباب الأحاديث والنِكات في الشوارع إلى قُرابة التاسعة مساءاً ثُم وقتها يحين موعد الأسرة في البيت.

اليوم أتممت أسبوعاً كاملاً في الحوطة، أعتقد أن ذلك يكفي لِذا غداً إن شاء الله سيكون آخر يومٍ لي في هذه الرحلة لمُحافظة شبوة حيث سأكمل المسير بعدها شرقاً إلى مُحافظة حضرموت.







أجزاء مُختلِفة لأحياء الشِعب والسوق والبريقة في الحوطة


هياكل شاحنات مرسيدس فوق الجبل


تتمة هيكل أحد شاحنات المرسيدس فوق الجبل


لوحة الشاحنة وهي تعود لعصر دولة الجنوب، قبل الوحدة


على قمة جول خميس، تُلاحظون التبايُن بين أطوال الجِبال في الخلف


غُروب الشمس على سطح هيكل الشاحنة العتيقة




اليوم العشرين: الإثنين 22-4-2013

يومٌ بسيطٌ آخر من أيام الحوطة قضيته بين الزيارات والحكاوي مع الشيبان – لا يوجد الكثير لأذكره غير أنه كان يوماً وداعياً حزيناً لهؤلاء الناس الذي دخلوا إلى قلبي وحتماً سأحِن إليهِم على أمل اللقاء بهم مُجدّداً في المُستقبل القريب بإذن الله.

الآن جهزت أمتعتي وسآخذ قسطاً من الراحة حيث سألتقي من الصباح الباكِر بعادل في فرزة عِزّان للانطلاق من هُناك إلى مُحافظة حضرموت حيث ستكون عاصمتها، المُكلّا، أول محطاتنا فيها – تبعد المُكلّا عن عِزّان قُرابة الثلاث ساعات، حيث أنها تقع على الخط الساحلي جنوب شرق البِلاد.




اليوم الواحد والعشرين: الثلاثاء 23-4-2013

استيقضت قبل السادسة صباحاً – بعد الصبوح مُباشرة ودعت خالتي وتوجهت إلى عِزّان لمُقابلة عادل كما اتفقنا حتى ننطلق إلى حضرموت. انتظرنا في الفرزة لكن لم يكن هُنالك القدر الكافي من الرُكاب لننطلِق، لِذا، لم ننطلق سوى في التاسعة حيث خرجنا من مُديرية ميفعة ودخلنا إلى مُديرية رضوم التابعة أيضاً لمُحافظة شبوة والتي هي الجهة الساحلية للمُحافظة حيث تطُل على بحر العرب.

على ساحل رضوم هُنالك مشروع أمريكي ضخم لسرقة الغاز الطبيعي حيث أنشأت إحدى الشرِكات الأمريكية بمُباركة الرئيس المخلوع للجمهورية هذه المُنشأة الضخمة التي لا يستفيد منها الشعب إطلاقاً. كان أحد الرُكاب معنا من أهل هذا المكان حيث يعيش حالياً مع أمثاله من صيادو الأسماك في قرية مُقابل مشروع بالحاف للغاز، المشروع الأمريكي. هذه القرية غير قابلة للاستخدام الآدمي حيث دخلناها لأخذ أسرته معنا إلى المُكلّا – المنازل عِبارة عن عِشش من الطيب وسعف النخيل، قصيرة جداً حيث لا يُمكنك رفع رأسك بداخلها، لا يوجد كهرباء أغلب اليوم حيث يعمل المولِد المُتواضِع على تزويد القرية بأكملها بالكهرباء لساعاتٍ محدودة فقط آخر الليل – الحمد لله على النعمة! الوضع هُنا مُحزنٌ جداً حيث تم الاستيلاء على أراضي هؤلاء المساكين في بالحاف لإقامة هذا المشروع الضخم لسرقة الغاز أما هؤلاء السُكان الأصليون لا يُريدون سوى العيش أو الموت بسلام!

أيضاً في رضوم، توجد الكثير من القُرى الساحلية التي يسكنها صيادو الأسماك حيث يعشق أهل الجنوب المأكولات البحرية خُصوصاً اللخم، أحد تلك القُرى قرية بير علي القريبة من ساحل حصن الغُراب – هذا الساحل الساحر يأتي إليه شباب الحوطة وبقية مناطق شبوة لقضات يومين أو ثلاث في الصيد والسِباحة حيث أن جوه ومنظره يأخُذا الأنفاس حيث كان هذا الشاطئ قديماً حصناً منيعاً للراغبين بغزو أرض حضرموت بما بها من شبوة والمهرة وظفار.

تُعتبر بير علي الحد الفاصل بين مُحافظتي شبوة وحضرموت إدارياً، لذا، دعوني أستعرض شبوة في بعض الكلِمات: تُعتبر شبوة الأكثر بداوة في البِلاد جمعاء، حيث لا يوجد مُدُن مركزية بِها، فقط قُرى مُتفرِقة في جميع ثناياها لذا لا يوجد منطقة فارغة في شبوة ولا شيء يحصُل في شبوة ويبقى سِراً فالأخبار يتم تداوُلها أسرع من البرق أي أنهُ لا يوجد مجال للعبث! أما نِساء شبوة فهُن الأكثر حِشمة وتحفُظ كون النِساء يرتدين العباءة والنِقاب الكامِلان حتى لا يُمكن مُشاهدة العينين وهذا يبدأ قبل بلوغ الفتاة سن العاشرةويتم تزويجها بعد ذلك بسنواتٍ قليلة، أما الشباب فهم لا يجدون الفائدة في الدراسة فيتعلمون العمل بدلاً من ذلك ولا يبلغ السادسة عشر إلا وهو يُريد الزواج – مُتواضعون طيبون للغاية كُلٌ يعرف الآخر، هوايتهم الأنساب ومساجدهم مُكتظة على الدوام.




دخلنا الأراضي الحضرمية، هذه السواحل تعُج بمراكِب الصيد الخشبية التقليدية – جمال البحر هُنا يُوازي جماله في سواحل شبوة فالبحر واحد، بحر العرب. الناس على أطراف الطريق لا يترددون بطلب المُساعدة، فهذا طلب من سائفنا أن يوصل إطار سيارة جديد إلى شخصٍ آخر على طريقنا قد انفجر إطاره، وذاك العسكري في نقطة التفتيش طلب هو الآخر من السائق أن يوصل صديقه الذي خرج من المدرسة في قرية الحصاصنة ويريد الذهاب إلى بيته في المُكلّا التي تبعد 66 كم يخوضها يومياً في سبيل العِلم.

وصلنا إلى المُكلّا وأريافها، عاصمة مُحافظة حضرموت وقت صلاة الظُهر – هذه المدينة النظيفة ذات الشوارع الواسعة قد استقبلتنا بحفاوة، برغم الرطوبة لكونها تقع بأكملها على الساحِل لكن رطوبتها لا توازي رطوبة عدن والجو سُرعان ما يعتدل بمُجرّد قُرب غُروب الشمس مُنتصف العصر، حينها تعُج الشوارع بسُكانها، هذه المدينة التي تبدو في الصباح كمدينة أشباح، تتحول إلى عدنٍ أخرى بجمالها وحيويتها.

اللهجة الحضرمية تختلف تماماً عن بقية اللهجات اليمنية، حيث أنها ثقيلة وبطيئة نسبياً وأمثل تشبيهٍ لها هو أنها خليط بين اللهجتين الإماراتية والمغاربية. بمُجرّد وُجودك بين الحضارم تشعُر بالأمان والطمئنينة حيث أن بين الحضارم ثقة شبه عمياء في التِجارة، كما أن أصحاب المحال يعطون السعر النهائي من البداية ويكرهون المُساومة فيه. يبدو أن الحضارم هادئون وأتقياء، حيث تُغلِق جميع المحال وقت الصلاة دون أي إجبار كما رأيت في الحِجاز وتُعلِق المطاعم أعمالها لحين فُروغ العُمال من أداء الفرض، أما الحضرميات فيبدون لي جميلات وذوات شخصيات واثقة مما شعرت.

نمكُث الآن في فندق يطُل على خور المُكلّا – هذا المكان قد كان منذ بضع سنوات عبارة عن حُفرة عملاقة لتجميع مياه المجاري والمُخلفات بأنواعها، قام بعدها التُجار الحضارم المُغتربون أمثال العمودي وبن لادن وبُقشان وغيرهم بالاشتراك بينهم البين للتخلُص من هذه المُخلفات وإنشاء هذا الخور وافتتاحه عام 2008 وهو عِبارة عن ترعة بنصف عرض نهر النيل تقريباً أدخلت مياه بحر العرب عبر ممرٍ مائي من الساحل إلى قلب المدينة. المياه وما حولها نظيفة جداً حيث تم إصدار قرار بمنع رمي النفايات أو السِباحة أو حتى تخزين القات بجانب الخور. قام التُجار الحضارم بهذا المشروع الطيب بعد مُلاحظتهم تجاهُل الحكومة التام لأرض الأجداد، العريقة حضرموت.

بعد بضعة جولات في أسواق المدينة والجلوس على الكورنيش، اكتفينا لليوم لننل قسطاً من الراحة حيث سنُقابل في الغد أحد أقربائنا الذي يعمي في منطقة فوّة التابعة للمُكلّا بعد أن كان من المُفترض أن ننطلق غداً إلى الشِحر لمُقابلة أختي لكن وصل لهذا الرجُل خبر قدومنا إلى المنطقة فحصل على رقمي وأصر على لقائنا.




القرية التي يعيش بها أهل بالحاف بعد نزوحهم بسبب سلب أراضيهم


"هذا من فضل ربي – الله المُعين"
منقوشة على أحد بيوت القرية الطينية في بالحاف – شبوة


ساحل حصن الغُراب (بحر العرب) في شبوة،
الساحل أكثر جمالاً من هذه الصورة كونها على عُجالة




مدينة بروم، على مشارِف مدينة المُكلّا










خور المُكلّا


الغُربان تتواجد بكثرة على الساحل، من عدن إلى المهرة


من أزهار المُكلّا بالقُرب من الخور


شارع الخور




كورنيش المُكلّا "بحر العرب"


طُيور النورس تحوم حول قارب صيد


..النسيم عليل


كُشك على الكورنيش


الكورنيش في المساء


أحد القبور قريباً من السوق


بروست لخم، لذيذٌ جداً


يدي اليُمنى انحرقت من الشمس، فقد نسيتها من شدة الحماس
خارج نافذة السيارة التي أقلتنا من عِزّان إلى المُكلّا


خريطة رسمتها حسب تذكُري للبِلاد لنعرف خط سيرنا،
فلم يتوفر لدينا النت ولم نجد خارطة مطبوعة في أي مكتبة




اليوم الثاني والعشرين: الأربعاء 24-4-2013

خرجت قُرابة الحادية عشر صباحاً من الفندق إلى محلٍ قريب للإنترنت حيث أردت التواصُل مع الأهل والأصدقاء، كان الجو غائماً مُمطِراً رائعاً. ما إن عُدت لبوابة الفندق وصلني اتصال من قريبي الذي حدد موعداً معي في الأمس للغداء – سُرعان ما تجهز عادل ونزل، بعدها بدقائق وصل قريبنا، خالد، الذي يُقيم هُنا في فوة بالمُكلّا. أخذنا خالد بسيارته الوانيت إلى سوق القات حيث ابتاع كمية كبيرة منه، ثم إلى منزله، وكانت أحاديث قبل الغداء تتعلق بمُجملها عن عائلتنا حيث أن موطننا الأصلي هو هُنا في حضرموت الوادي والساحل – أفادنا خالد كثيراً في تحديد وجهاتنا القادمة في المُحافظة.

بعد الغداء والحديث عن الحياة في الكويت، خرجنا من المنزل وتوجهنا إلى أطراف المدينة من جهة الغرب تحديداً إلى ساحلٍ خلّاب يُدعى ساحل الشقّين – هُناك الكثير من الشباب الذين يأتون إلى هُنا للتخزين سواءاً على الشاطئ أو على أطراف الجبلين المُطِلان عليه. حذونا حذوهُم، أما أبناء خالد الصبيين، مسلّم وعلي، قد قاما بجمع القواقِع الحية لاستخدامها لاحقاً كطُعم لاصطياد الأسماك من هذا الشاطئ المُطِل على بحر العرب.

مع غُروب الشمس، حان وقت توديع المُكلّا على أمل لقائها مُستقبلاً والتي لم أكتفي منها بعد لكن ليس لدينا الآن مُتسع من الوقت. توجهنا إلى الفندق لأخذ أغراضنا والمُغادرة إلى الفرزة لنذهب إلى مدينة الشِحر التي لا تبعد سوى نصف ساعة عن المُكلّا حيث سأقابل أختي الغير شقيقة التي لم أراها ولم تراني سابقاً قط، فلا أعرف كيف شكلها، فقط جرت بيننا مُكالمة هاتفية واحدة منذ سنوات، كما أعرف أن زوجها وولده وابنته مُغتربون في تبوك وهي تعيش في الشِحر منذ حدوث الحرب على القاعدة حيث نزحت من الحوطة.

على أطراف الطريق القصير نسبياً المؤدي إلى الشِحر، تقع بعض المُدُن مثل مدينة الريّان التي يقع بها المطار الذي يُدعى أحياناً بمطار المُكلّا – فور وصولنا لمشارِف الشِحر استقبلنا ولدا أختي، هاني وهائل، وذهبنا سوية إلى منزلهم الواقع في منطقة المنصورة حيث قابلتها لأول مرة وأبنائها وبناتها وحتى المُغتربين من الأسرة رحبوا بي عبر الهاتف. رؤية أختي هذه أنستني المسافات الشاسعة التي اجتزتها للوصول إلى هُنا – فعلاً، قد كان موقفاً لا يُقدر بثمن، رؤية هذه المرأة التي تحكي ملامحها مُعاناة وكَبَد الحياة، ووحدتها التي تسرُد رواية الغُربة، وطيبة قلبها التي تروي مسامات الحياة.



فتاة تعُد القطع النقدية التي حصلت عليها من بيع زُجاجات المياه










ساحل الشقّين "بحر العرب" في المُكلّا


صورني عادل وأنا سارح مع البحر


القواقع الحية التي يستخدمها ولدا خالد لصيد الأسماك


مفعول التخزينة: أريد إمساك الشمس قبل غروبها


العِشاء في ساحل الشقّين


مُجمع المُكلّا مول التِجاري




اليوم الثالث والعشرين: الخميس 25-4-2013

اليوم زارنا في الظهيرة أحد أقاربنا والذي أيضاً هو الآخر وصله خبر قدومنا المنطقة ويُدعى حسين، انطلقنا معه بعد الغداء في رحلة قدمها لن منذ العصر وحتى قُرب الفجر حول مناطق الخط الساحلي لحضرموت والتي تقود إلى مُحافظة المهرة غرباً والتي تُشكل الحد الفاصِل بين حضرموت وظِفار، أي اليمن وعُمان.

كانت وجهتنا الأولى مدينة الشحر القديمة الواقعة على الساحِل حيث يقع السوق وميناء الصيد – في هذا المكان يوجد العديد من سُفُن وقوارِب الصيد بأنواعها حيث يُعَد ساِحل الشِحر الأثرى من هذه الناحية في البِلاد. هذه المدينة القديمة بأبنيتها ورِجالها تحكي قصة حزينة عن زمنٍ ولى حيث كانت منطقة تعُج بالتِجارة والحركة نظراً لمركزها الاستراتيجي على طريق التِجارة التاريخي الذي انحرف منذ مدة عن هذا الطريق. الجدير بالذكر أن مدينة الشِحر القديمة كانت مُحاطة بسورٍ طيني له بوابات لم يتبقى منه سوى تلك البوابات، كما هو حال سور الكويت الذي كان يُحيط بالعاصمة بشكلٍ نصف دائري.

شرق مدينة الشِحر بحوالي رُبع ساعة تقع قرية الحامي وهي قرية ريفية أهلها من الصيادين والمُزارعين، لا يفصل بين بيوت الحامي والبحر سِوى شارعٍ ضيق وبضع مراكب صيد على الشاطئ حيث تقع هذه القرية حرفياً أمام البحر. في ريف القرية يكمُن سِر تسميتها، حيث تجد بين المزارع الصغيرة للذُرة وجوز الهِند وغيرهم عُيون طبيعية لمياهِ جوفية تخرج بصورةٍ تلقائية من باطن الأرض إلى التُربة فترويها – هذه المياه ساخِنة وتحتوي على نسبة بسيطة من الكبريت لهذا تمت تسمية القرية بالحامي أي الساخن باللهجة المحلية حيث يوجد في حضرموت وحدها أكثر من 70 عين للمياه الكبريتية بينما يوجد في مصر بأكملها ينبوعاً واحداً من نفس النوع وهو في منطقة العين السُخنة.

رُبع ساعةٍ أخرى تفصل بين الحامي والديس – تقع مدينة الديس أيضاً على ساحل بحر العرب ويوجد بها حِصن الديس العتيق الذي يحكي هوَ الآخر عن تاريخ هذه القرية المُهملة كالكثير من المناطق الأخرى في هذه الدولة. فوق الديس مُباشرة تقع منطقة يقود إليها طريق حول جبل تُسمى صويبر – يقع في صويبر هذه عين للمياه الكبريتية، في باطن العين ترى الكبريت أبيض اللون أمام عينيك لكنه لا يتفاعل مع الماء سوى وقت الفجر حيث تحدُث التفاعُلات الكيميائية.

يأتي إلى صويبر الأشخاص الذي يُعانون من الأمراض الجلدية والمعوية المُستعصية حيث عليهم أن يمكثوا هُنا في أحد الغُرف المُهملة لمُدة 40 يوم يشربون خِلالها من مياه العين ويغتسلون بِها يومياً. المُداواة هُنا طبيعية مجانية للجميع حيث يصف الكثير من الأطباء زيارة هذا المكان بعد استنفاذ حُلولهم الطبية وقد تم قص الكثير من الحكايا لي عن أناس بُرئوا بعون الله من تلك العين.

قضينا مع حسين بقية اليوم منذ المغرب إلى مُنتصف الليل على ساحل الشِحر حيث لا توجد كهرباء أو ضجيج أو مركبات أخرى، فقط نحن وضوء القمر – كانت تلك الأمسية هي الأجمل التي أقضيها منذ وصولي البِلاد. أكثرت من التخزين اليوم حتى أن لِساني تخذر جُزئياً، فلم أشعر بالوقت عندما بدأت الحديث مع حسين في الجُغرافيا والسياسة والتاريخ.







مدينة الشِحر القديمة










ميناء الصيد على ساحِل مدينة الشِحر










عُيون المياه الكبريتية الدافئة في قرية الحامي




المزارِع الصغيرة في قرية الحامي بين العُيون


عين صويبر،
المادة البيضاء هي الكبريت ولا تتفاعل مع المياه إلا في الفجر


مُدة المُكوث في صويبر تصل إلى 40 يوم للعِلاج من ماء العين


الغُروب في مدينة الديس، أقصى نُقطة وصلت إليها شرقاً تِجاه مُحافظة المهرة


المساء على ساحِل الشِحر،
لا تحتاج الكهرباء للإضاءة هُنا فضوء القمر يكفيك!




اليوم الثالث والعشرين: الجمعة 26-4-2013

وصل قريبنا حسين ليُقلنا إلى صلاة الجمعة في أحد المساجد المُجاورة حيث أن المسجد الذي بجوار المنزل لا تؤدى فيه صلوات الجمعة حالياً لفروغ المنطقة الحديثة من الكم الكافي من السُكان. بعد الصلاة، عُدنا إلى المنزل لتناوُل الغداء وانتظار أحد سماسرة العقارات ليدُلنا على أرضيات قد امتلكها مؤخراً اثنين من اخوتي الذين في الكويت. تقع الأرضيات الفضاء بالقُرب من مركز المدينة حيث الخدمات والتركُز السُكاني – هذه المنطقة المُسطحة بالكامِل والقريبة من البحر هي كبقية أطراف الشِحر الأخرى تُبَشِر بتوسُع المدينة في السنوات القليلة القادمة كما لاحظت أيضاً في المُكلّا وعدن.

بعد أن غابت الشمس، توجهنا مع حسين إلى السوق في قلب المدينة القديمة – في قلب السوق، هُنالك مسجد تاريخي تُذاع منه خُطبة لأحد العُلماء عبر مُكبِرات الصوت لتصِل إلى منطقة السوق بأكملها وهذا يحدُث كُل جمعة بين صلاتي المغرب والعِشاء، أما في خارج المسجد فهُنالك مقهىً قديمة تُدعى مقهى باجلال حيث يتم تقديم الشاي للزبائن الذين يجلسون في الشارع لسماع الخُطبة بسبب امتلاء المسجِد بالمُستمعين في نفس الوقت الذي تعبر به مسيرة لأصحاب الدراجات النارية من أنصار الحراك الجنوبي عبر السوق.

الدراجات النارية مُشكلة كبيرة في المناطق الحضرمية حيث أن أعدادها مهولة تتفوق على عدد السيارات، اقتصادياً وبيئياً هذا أمرٌ جيد لكن المُشكلة أن الدراجات تدخُل في جميع الطُرُقات والزِقاق الداخلية القديمة والضيقة كشوارع السوق المُخصّصة أصلاً للمشي على القدمين، الشيء الذي يجعلك قلقاً وأنت تمشي في الشوارع.

في السوق الكثير من المحلات المُختَلِفة لكنها للأسف جميعها إلا القليل جداً مُغلقة حيث أن من عادات الحضارم إغلاق محالهم أيام الجمعة وتخصيص هذا اليوم للعِبادة والعائلة، هذا شيءٌ مُقدّس لدى الحضارم ولا يُفرطون به أبداً بالإضافة لإغلاق المحلات يومياً قُرابة التاسعة مساءاً حتى يناموا باكِراً. من المحلات التي شدت انتباهي محلات الذهب حيث أن غالبية هذه المحلات هُنا لعائلتنا آل بامسلّم والتي تعود إلى قبيلة بنو تميم.

بعد صلاة العِشاء، وحين احتسائي الشاي، درست طبائع وتصرُفات أهل المنطقة – فعلاً تعجبني اللهجة الحضرمية كونها قريبة جداً للهجات الخليجية التي أنا مُعتادٌ عليها، كما أعجبتني أمانتهُم وثقتهُم الكبيرة ببعضهم البعض.
توجهنا إلى مطعمٍ بعيد قليلاً عن قلب المدينة للعشاء، تخصُص هذا المطعم هو الصيد أو المأكولات البحرية باللهجة المحلية حيث أنني لست من المُعجبين بأكل الأسماك منذ صِغري لكن وجبت التجرُبة كون الأسماك المُقدمة طازجة من البحر الذي يقع أمام المطعم مُباشرة إلى الطبق. كان عشاءاً لذيذاً من الأسماك كبيرة الحجم، لستُ ضالعاً بأنواعها.
علي النوم الآن حتى أخرُج في السادسة صباحاً للسفر بعيداً عن البحر، إلى حضرموت الداخل، الأحقاف، إلى عاصمتها سيئون.











بعض محلات البامسلّم للمُجوهرات في الشِحر


الدراجات النارية في جميع أرجاء حضرموت


بيع السِواك في سوق الشِحر


مقهى باجلال حيث يستمع الناس للخُطبة من المسجِد المُزدَحِم




اليوم الرابع والعشرين: السبت 27-4-2013

استيقظنا مُبكِراً وذهبنا برفقة حسين إلى الفرزة حيثُ أن وجهتنا القادمة هي مدينة سيئون عاصمة إقليم حضرموت الداخل أو وادي حضرموت. كان وداع أختي وأبنائها صعب لكنهُ مضى – الشوارِع خالية وجميع المحلات مُغلقة فاليوم هو 27 من أبريل، ذكرى الحرب الأهلية التي وقعت بين اليمنيتين عام 1994 بعد الوحدة بثلاث أعوام، في هذا اليوم من كُل عام يُضرِب الجنوبيون عن العمل والدِراسة فقط المواصلات والفنادِق تستمر في عملِها.

عُدنا إلى المُكلّا التي لا تبعُد عن الشِحر سِوى نصف ساعة حيث أنه لا يوجد طريق يؤدي إلى سيئون من الشِحر لِذا وجبت العودة إلى المُكلاً – من نفس الفرزة استقلينا سيارة أجرة بيجو في رحلة الخمس ساعات من الإقليمين حضرموت الساحل وحضرموت الداخل. كانت الرحلة شاقة فالمقاعد ضيقة والطريق شديد الوُعورة بين وعلى الجِبال والوديان. يقع في حضرموت الداخل العديد من الوديان ولعل أبرزها وادي دوعن الشهير بأجود أنواع العسل وكذلك وادي العين بالإضافة لجبل عبدالله غريب الذي من شدة ارتفاعه جوه يُشابه جو صنعاء البارِد.

لتوضيحٍ أفضل، حضرموت الداخل هي أرض الأحقاف التاريخية التي عاش بها نبي الله هود عليه السلام حيث الفِلاحة والبهائم والمياه الجوفيه الأكثر نقاوة من أي مياة أخرى في الوطن العربي. هُنا في هذه القُرى الغنية بالثروات الطبيعية تجد النِساء يرتدين القُبعات الصفراء الطويلة المصنوعة من النخيل لحمايتهُن من أشعة الشمس بينما يقُمن بقطف المحاصيل أو رعي الغنم. جميع هذهِ القُرى والجِبال تُشابِه الحوطة كثيراً، أبنيتها طينية على الطِراز الحضرمي المُتوارث حتى الآن وجِبالها مُسطحة القِمَم بُنية اللون.

قبل مدينة سيئون بحوالي رُبع ساعة، تقع مدينة شبام التاريخية والتي دخلت موسوعة أعاجيب العالم بفضل العبقرية الهندسية في إنشاءها حيث قام ببناءها جماعة من قُدماء الحضارم منذ مئات السنين كان أحد أجدادي واحداُ مِنهُم حيث يسكُنها البامسلميون إلى يومنا هذا. المدينة نشأت حول مسجد هارون الرشيد التاريخي حيث تم بناء البيوت بشكلٍ شِبه مُتلاصِق لمنع الأعداء من مُحاولة اقتحامها بالإضافة لتسوير المدينة بالكامِل لمنع مياه السيول من الدُخول إليها حيث أن الأراضي الحضرمية مُعرضة دوماً للسيول منذ قديم الزمان وآخر تلك السيول الضخمة حدثت منذ 5 أعوام حيث أصبحت المدينة أشبه بجزيرة وسط المُحيط كما يصفها أهلها كما أن المدينة تُسمى عِند الغرب بمانهاتن الصحراء حيث كانت هذه المنازل قديماً أول ناطِحات سحاب في العالم.

عبرنا أمام مدينة شبام فقط لكن سنعود غداً إن شاء الله لتصويرها من الداخل – تابعنا مسيرنا ووصلنا إلى مدينة سيئون، أحد المُدُن المركزية في الدولة. بعد أن ارتحنا قليلاً من عناء السفر في الفندق، نزلنا لتناوُل الغداء – ما إن نظرت إلى يميني وجدت قصر سيئون الشهير وهو قصر السُلطان الكثيري حيث حكم الكثيري شطراً من حضرموت والقعيطي حكم الشطر الآخر أما الواحدي فحكم شبوة وبن عفرار حكم المهرة في عصر السلاطين الذي ولى.

القصر مُغلق الآن فأبوابه مفتوحة في الصباح فقط من الثامنة وحتى الثانية عشر، سنزوره غداً بإذن الله. بعد الغداء في أحد المطاعم القريبة والذي لحُسن الحظ لم يُشارك في الإضراب، توجهنا إلى مدينة تريم التي تبعُد حوالي رُبع ساعة من سيئون بسيارة أجرة مُتهالِكة. تُعرف مدينة تريم بعاصمة الثقافة الإسلامية حيث يوجد بها وحدها 360 مسجد أهمها مسجد المحضار الذي تُشَكِل مأذنته رمزا لحضرموت الحديثة، هذا بالإضافة للمراكز الكبير المُتخصِصة بتعليم الدين الإسلامي واللُغة العربية للذكور والإناث والتي يتدافق إليها طُلاب العِلم من شرق أسيا وشبه القارة الهندية وأوروبا طوال العالم لتحصيل العِلم – بالإضافة لعمل المراكز في العلوم الشرعية واللُغوية، يوجد في هذه المراكز، كأكبرهم، دار المُصطفى، متحف للكُتُب العربية التاريخية من شتى العُصور قبل وبعد الإسلام أغلبها في الدين والشِعر والنحو والأدب.

وجدت هُنا في تريم مقبرة لا أعلم من أي عصرٍ هيَ، قبورها عليها كِتابات تبدو ضارِبة في القِدَم منقوشة على شواهد قُبورِها الطينية.، أيضاً عبرت على منزل الداعية الإسلامي الحبيب الجفري وكذلك منزل المُطرِب أبو بكر سالم بلفقيه حيث أنهُما من أبناء تريم، كما يوجد الكثير من الأبنية الجميلة والضخمة هُنا لكن لم أعلم ما دورها فالوقت لا يسمح باكتشاف ذلك.

غربت الشمس ونحن عائدون إلى سيئون كونها نُقطة ارتكازنا خلال هذه الأيام، حتى الآن سيئون فارِغة بشكلٍ مُريب حيث اكتشفنا أن مواجهات حصلت في شوارعها صباح اليوم بين الشباب المُتظاهرين المُطالبين بفك ارتباط الدولتين والجيش الحكومي – في الشوارع وجدت بقايا الإطارات المُحتَرِقة كما سمعت أصوات الألعاب النارية التي يستخدمها الشباب لاستفزاز الجيش الذي يعتبرونه بدورهم جيش الاحتلال.

عُدنا مُبكِراً، قبل صلاة العِشاء، فلم ننم جيداً مساء أمس – غداً إن شاء الله سنتوجه إلى قصر سيئون ثم مدينة شبام للتعرُف عليها عن كثي حيث كان يتوافد إليها سنوياً آلاف المُهندسون والسُياح لدراستها لكنهم توقفوا عن ذلك منذ عامين بسبب الاضطراب السياسي الذي تشهده المِنطقة حالياً.



مدينة شبام من جهة الطريق إلى سيئون


في الطريق إلى تريم


جولة "دوار" مدينة الغُرَف، وبها مأذنة مسجد المحضار


وصلنا..


منذ 5 أعوام جاء سيلٌ جارِف حطم أحد الجُسور وجرف هذه الأشجار معه


بناء جميل لا أعرف شيئاً عنه


مأذنة مسجد المحضار، رمز حضرموت الحديثة


بجانب بوابة مسجد المحضار


المقبرة العتيقة في تريم






دار المُصطفى للعلوم الشرعية واللغوية


اللوحات القديمة "ما قبل الوحدة" لمُحافظة حضرموت


عائدون إلى سيئون


سبيل مياه جوفية، حالية قوي!


نفس مجرى السيل الذي جاء منذ 5 أعوام،
نحن على الجسر الذي انهار بفعله، قاموا بإعادة بناءه من جديد


سيارة الأجرة المُتهالِكة التي أخذتنا من سيئون إلى شبام،
تعطلت 3 مرات في الطريق!




اليوم الخامس والعشرين: الأحد 28-4-2013

تأخرنا اليوم في النوم فوجدنا متحف قصر سيئون مُغلقاً لِذا سأُطر للعودة إليه وحدي صباح الغد حيث سيعود عادل إلى الحوطة لالتزامه بتدريس مادة الرياضيات مؤقتاً في أحد المدارس هُناك. أخذنا سيارة أجرة إلى مدينة شبام، تبدو شبام من الخارج كبنايةٍ واحِدة عِملاقة في وسط الصحراء. بعد البوابة مُباشرة جهة اليسار هُناك مقهىً شعبي مليء بالشُيوخ يُقدم الشاي البُخاري الذي تشتهر به مناطق وادي حضرموت عُموماً حيث يتم غلي الشاي باستخدام بُخار الماء لينتُج أفضل شاي يُمكن أن تتذوقه في التاريخ!

في أحراج شبام تجد البيوت الكبيرة الأشبه بقصورٍ ضاربةٍ في القِدَم أهلها يعيشونها حتى الآن، مُتقاربةً جِداً هذه البيوت بعضها ببعض لدرجة عدم وُجود أي فراغ بينهُما لعُبور الهواء لدواعٍ هندسية. بالإضافة للمنازل هُنالك عِدة مساجد جميلة وبعض المحلات التجارية هُنا وهُناك. أهل شبام طيبون جداً ومُعتادون على السُياح حيث شكى لي أحدهُم غياب السُياح في الفترة الأخيرة تماماً بالإضافة لسرقة الحكومة الأموال الطائلة التي تُقدمها المُنظمات الدولية لحماية الآثار – فبالفعل، وجدت الكثير من الأسلاك لتوصيل الكهرباء بين البنايات ما يشوه المظهر العام للمدينة، أيضاً الكثير من البنايات مُهملة تماماً وبعضها مُهدّم جُزئياً حيث تحتاج الأبنية الطينية لعنايةٍ خاصّة من ترميمٍ وغيره.

مع بدء غُروب الشمس وبعد التقاط بعض الصور للمدينة من الخارِج، اكتفينا وعُدنا إلى سيئون لقضاء المساء في أسواقها الشعبية. قبل ذلك، عُدنا إلى الفندق لأداء صلاة العصر بينما كنت أتوضأ سقط خاتمي العقيق الذي ابتعته من صنعاء القديمة في المرحاض – كانت صدمة بالنسبة لي فقد أحببت ذاك الخاتم لكني قررت تجاوُزها وشِراء خاتم آخر لكن للأسف جميع محال المُجوهرات في حضرموت تبيع نوعاً آخر من خواتم العقيق حيث يختلف نقش وعيار الفضة وحجم الحجر نفسه فلم تُناسبني تلك الخواتم ولا يوجد خواتم كما الذي سقط مني سوى في صنعاء القديمة.

بعد تجاوُزي الأمر مُجدّداً، تجولنا في الأسواق الغنية بمُختلف البضائِع، ومع الغُروب وجدنا أنفُسنا في شارعٍ داخلي يؤدي إلى حي يُدعى حي مسجد طه به بعض المؤسسات القديمة لتعليم النِساء والأطفال العلوم الشرعية والقرآن الكريم، أما في واجهة الشارع تقع مقبرة موصدة الأبواب لم أتعرف سُكانها.

عُدنا إلى الفندق لنضع الأغراض التي ابتعناها من السوق حتى لا تُعيق حُريتنا وفي نفس الوقت تحدثت مع موظف الاستقبال بموضوع خاتمي ووعدني بالمُساعدة. بعد تقضية بعض الوقت في الشارع واحتساء الشاي البُخاري، عُدنا إلى الفندق وفاجئني الموظف بخاتمي الذي افتقدته كثيراً حيث قام بتنظيفه بالكلوروكس وتبخيره بأجود البخور ورفض أخذ مُكافأة مني لكني أصريت رغماً عنه – فعلاً، هؤلاء الناس أمناء فلم أقلق عندما تركت مقتاح الغرفة معه وأغراضنا الثمينة بداخلها.

في الصباح سيتركني عادل وسأقضي الغد وحيداً في سيئون، نمت كثيراً اليوم ولا أعلم كيف سأنام الآن، رُبما بعد صلاة الفجر.



"مرحباً بضيوف اليمن في مدينة شبام التاريخية"


بوابة شبام، رسم عليها شباب المنطقة أعلام دولة الجنوب




مسجد في واجهة البوابة


الشاي البُخاري، يتم وضع إبريق الشاي أعلى هذا الشيء حتى
يغلي بفعل بُخار الماء الذي يُنتجه هذا الجِهاز النُحاسي وغالباً
يُستخدم إبريق شاي كبير بدلاً من الجِهاز لإصدار بُخار الماء


ينتظر الشاهي..


صناديق خشبية على جانب الطريق


هكذا هي شوارع شبام!


رجُل مع أبناءه من أهل شبام




















مدينة شبام، مانهاتن الصحراء




في طريق العودة إلى سيئون


كان بيتاً، يوماً ما، إلى أن "شلّه" السيل!


شاحنات الطحين الشبواني القادمة من شبوة


الفلاحات الحضرميات








في الحي القديم، حي مسجد طه


الغُيوم وقت الغُروب


جميع هذه العُمل يتم تداوُلها في اليمن




اليوم السادس والعشرين: الإثنين 29-4-2013

أول يوم أقضيه وحيداً في دولةٍ أخرى غير الكويت فقد سافر عادل فجراً – كان صباحاً جميلاً داخل قصر سيئون والذي يُستخدم اليوم كمتحف يشمل القطع الأثرية من شتى أراضي إقليم وادي حضرموت حيث قامت مجموعة من أقد الحضارات البشرية هُنا في أرض الأحقاف كما يُعتبر القصر أضخم مبنىً طيني تم صُنعه حتى الآن حيث أنه مصنوع بحرفيةٍ عالية من الداخل والخارج، من الصعب التصديق أنهُ مصنوعٌ فعلاً من الطين!

عُدت إلى الفندق بعد فروعي من المتحف ومكثت هُناك حتى صلاة العصر، كان يوماً عادياً في شوارع سيئون فهذه المدينة من السهل الاعتياد عليها. قضيت وقت الغُروب والعِشاء في الحديقة العامة القريبة من الفندق – كان الجو شاعرياً جداً بالنسبة لي فأنا أعشق الظلام والعُزلة أحياناً لكن الهدوس كان زائداً عن الحد فرأيت بوجوب إضافة بعض الضجيج؛ كانت تلك المرة الأولى التي أستمع بها لموسيقى الميتال منذ فترةٍ طويلة.

بعد تقضية المساء بمُشاهدة الأفلام الغربية والتي هي الأخرى لم أشاهدها منذ مدةٍ طويلة تقرب العامين، حان وقت النوم حتى ألحق بطائرتي صباح الغد والتي ستُقلني من مطار سيئون للعودة إلى مطار عدن الذي سأنطلق منه في رحلة العودة إلى الكويت يوم الجمعة بإذن الله.



أنا وشمس الوادي الحارقة غريبان، وحيدان، سعيدان


قصر سيئون، مطبوع على أعلى عُملة نقدية في اليمن، الألف ريال


قصر سيئون في أوقاتٍ مُختلِفة من اليوم


داخل متحف قصر سيئون، خريطة لوادي حضرموت


تماثيل حجرية تعود إلى العصر البرونزي






نُقوش مكتوبة باللُغة العربية الأولى "الحِميَرية"


تماثيل حجرية كانت تُستخدم للأغراض الدينية


شواهد قُبور حجرية قديمة


شاهد قبر مكتوب باللُغة العربية الحديثة بالخط الكوفي الغير منقوط


أواني لحِفظ السوائل


عملات مضروبة في شبوة، عاصمة حضرموت التاريخية


أحد ممرات القصر


"رقصة الجنبية اليافعية – 1938"


راعية غنم حضرمية من منطقة حريضة




من نوافذ القصر


جانب من مدينة سيئون، صورة من أحد نوافذ القصر


مُنتصف القصر


قُبعة ترتديها النساء البدويات لحماية رؤوسهُن من الشمس الحارِقة


أواني وقوارير




من تفاصيل القصر




(مع المدى يقطع الحبلُ الحَجَر)
"يا طالب العلم لا تضجرا – فآفة الطالب أن يضجرا
أما ترى الحبلُ من تكرارهِ – في الصخرةِ الصماء قد أثرا؟"


أحد شوارع سيئون


من الحديقة حيث كُنت أستمع للموسيقى، ويبدو القصر مُشرِقاً في كَبِد الظلام


العُمل النقدية في اليمن تبدأ من 5 ريال وتزيد إلى 1000 ريال




اليوم السابع والعشرين: 30-4-2013

إشتقت إلى عدن، شبه الجزيرة هذه ذات الحُضن الدافئ، أو الرطب، إن صح التعبير، فأول شيء تشعُر به عند وصولك إليها رطوبة الجو التي تُشابة رُطوبة جِدّة. بعد هُبوط الطائرة وحجزي غُرفة مُنفرِدة في الفندق، قضيت بعض الوقت أمام التِلفاز حتى أذان الظُهر – بعد الغداء، قررت أخذ قيلولة لكنها زادت بسبب إرهاق السفر فاستيقضت في المغرب.

كان مساءاً جميلاً في ضواحي عدن، مساءاً صاخِباً كما هو الحال يومياً هُنا في عدن المليئة بالحياة طوال اليوم. المُتسولون الصومليون أعدادهم كبيرة جداً هُنا فهُم يأتون بحراً عن طريق الخليج ومنهُم من يتمركز في عدن ومنهُم من يُكمل هجرته سيراً على الأقدام إلى صنعاء التي تبعد حوالي 340 كم ومنهُم من يُكمل الطريق إلى نجران وما خلفها بصورةٍ غير قانونية.

لا شيء يستحق الذِكر اليوم فأنا مُعتاد على عدن الآن ورطوبتها. تبقى لي يومان قبل العودة إلى الكويت سأقضيهِما هُنا حيث سأشتري ما تبقى من هدايا للأهل والأصدقاء كما سأجمع أفكاري وأُرتبها فيما يتعلق بمهامي في العمل والتي وكلتها لزميلي المُبتدئ في المجال – آمل أن يكون كُل شيء في الكويت على ما يُرام.



مطار سيئون


وديان حضرموت، من الطائرة


مزارِع في البريقة – عدن


ساحل البريقة


مطار عدن الدولي


طيران السعيدة، للطيران الداخلي بين المُحافظات والجُزُر




اليوم الثامن والعشرين: 1-5-2013

يومٌ آخر أقضيه في ضواحي عدن الجميلة، وصلت إلى الساحِل الذهبي "الجولد مور" في التوّاهي قبل المغرب حيث التقيت بعمّار من جديد – في انتظارنا لصديقه رعد وبعد صلاة المغرب هُناك، قابلنا فتاة صوملية تتسول على الشاطئ لكنها كانت مُهتمة بكامرتي أكثر من المال، حيث عندما سمحت لها، سارة، باستخدام الكاميرا، كانت تلك مرتها الأولى وكانت ردة فعلها من السعادة لا تُقدر بثمن.

نسيت أن أذكر إطلاق النار الذي سمعته في كريتر اليوم حيث عندما توجهت إلى مصدر الصوت وجدت كمية كبيرة من النِساء أمام أحد محلات الملابس وتوضح أن المحل يُقدم التخفيضات أما إطلاق الرصاص كان من قِبل الشُرطة لتنظيم الفوضى كونه لا يستطيع الدُخول بينهُن.

بعد قضاء المساء مع عمّار ورعد وإخبارهُم عن انطباعاتي فيما يتعلق بحضرموت التي لم يزرها أحدٌ منهُم حتى الآن، تعشينا عشاءاً بحرياً في مطعم الكوثر الشهي في الشيخ عثمان. غداً سيكون آخر يوم لي في الجمهورية، أشتاق إلى عدن من الآن!



تويوتا هايلوكس: بين الماضي والحاضر


شاطئ العُشّاق الذي يُحيط بمُجمع عدن مول


خيل على الساحل الذهبي "الجولد مور"


الساحل الذهبي "الجولد مور" في التوّاهي – عدن


الفتاة الصوملية قامت بالتقاط هذه الصورة: أنا وعمّار


الفتاة الصوملية التي تُحِب التصوير




اليوم التاسع والعشرين: 2-5-2013

كانت وداعية حزينة لعدن واليمن عُموماً - ودعت معارفي في المنطقة على أمل اللقاء بهم من جديد إن كتب الله لي زيارة أخرى للبِلاد في المُستقبل. أبت عدن أن تودعني دون موقفٍ ظريق، فعندما كُنت أستقل أحد باصات النقل العمومية كانت الرياح قوية في الخارج بفعل سُرعة القيادة على شارع البحرين، الذي هو بين بحرين، فطارت الأوراق النقدية التي كانت في جيب قميصي لكني وجدتها جميعها بين مقاعد المركبة بمُساعدة الراكبين الآخرين، حينها أخبرتني العجوز التي كانت تجلس بجانبي: "البيَس الحلال مردها لك"، تعني: المال الحلال لا يضيع هدراً بهذه السهولة، باللهجة العدنية.

كان يوماً جميلاً على الخليج وفي الأسواق، سأحن حتماً لهذه الأيام ولن أنساها ما حييت. سأنطلق من الصباح الباكِر إلى المطار حيث ستتجة الطائرة إلى صنعاء لتحميل الرُكاب ثُم إلى الكويت الحبيبة التي اشتقت إليها. هُنا تنتهي يومياتي لهذه الرِحلة، أتمنى أن أكون قد وُفِقت بسرد مُجرياتها دون زيادات أو مُبالغات، كما أني لم أسرُد جميع التفاصيل، سردت المُثيرة فقط حتى لا تشعرون بالملل – تُصبحين على خير، يا يمن.



خط سيري للرِحلة كامِلة والمناطق التي قُمت بزيارتها
والمُعلمة بالأحمر المناطق التي مكثت بها بضعة أيام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


.You are the time period between birth and death

 

 

 

http://wainty.com/kamalyat/ed1.gifhttp://wainty.com/kamalyat/ed2.gif
رد مع اقتباس

31 أعضاء قالوا شكراً لـ أنا فهمتكم على المشاركة المفيدة:

, ممنوع, أديسون, Black Legend, Choco, DaRcK, Hardway, i, حمصي, ياسو, Klo Works, LOCK, M', Mu'men, Orshlem, Pheras, RAP GAME, S.O.K.A, SanTana, Savyaur, Sempiternal, Silence, Smoke.R, ss ., Stupid, علياء المقدسية, فاطمة الفهرية, [DATA], نجمة, نــيڤيتــو, ك

  #2  
قديم 05-08-2013
الصورة الرمزية Black Legend
Black Legend
Koyaanisqatsi

 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: في زمن الرويبضة !
العمر: 28
المشاركات: 1,201
شكراً: 2,323
تم شكره 3,503 مرة في 895 مشاركة
Black Legend مبدع بلا حدودBlack Legend مبدع بلا حدودBlack Legend مبدع بلا حدودBlack Legend مبدع بلا حدودBlack Legend مبدع بلا حدودBlack Legend مبدع بلا حدودBlack Legend مبدع بلا حدودBlack Legend مبدع بلا حدودBlack Legend مبدع بلا حدودBlack Legend مبدع بلا حدودBlack Legend مبدع بلا حدود

Black Legend غير متواجد حالياً

 


جوزيت خيراً على تقريرك المذهل, وجعلتني استحضر رحلاتي التي قمت بها مع الأهل قبل ما يزيد عن عشر سنوات ... ما زال هناك الكثير لإكتشافه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


 

 

 

http://wainty.com/kamalyat/ed1.gifhttp://wainty.com/kamalyat/ed2.gif
رد مع اقتباس

3 أعضاء قالوا شكراً لـ Black Legend على المشاركة المفيدة:

أنا فهمتكم, Orshlem, ss .

  #3  
قديم 05-08-2013
الصورة الرمزية DaRcK
DaRcK

 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 1,078
شكراً: 434
تم شكره 478 مرة في 267 مشاركة
DaRcK يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليلDaRcK يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليلDaRcK يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليلDaRcK يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليلDaRcK يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليلDaRcK يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليلDaRcK يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليلDaRcK يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليلDaRcK يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليل

DaRcK غير متواجد حالياً

 


هذه تحتاج الى جلسه راقية مع الشاي و ضوء خافت..... توقفت بسبب انه الصور اختفت شكله من عندي....

لكن سوف احاول ان اقرائها.....

بالنسبة لي زرت بلدي مرتين وانا صغير جدا.... واتمنى زيارتها مره اخرى...... لكن الاهل يعارضون الامر ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
http://wainty.com/signaturepics/sigpic1738_1.gif//
http://i.imgur.com/CC72ctN.png

 

 

 

http://wainty.com/kamalyat/ed1.gifhttp://wainty.com/kamalyat/ed2.gif
رد مع اقتباس

2 أعضاء قالوا شكراً لـ DaRcK على المشاركة المفيدة:

أنا فهمتكم, ss .

  #4  
قديم 05-08-2013
الصورة الرمزية S.O.K.A
S.O.K.A
لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين

 
تاريخ التسجيل: Sep 2009
الدولة: Beyond Imagination
المشاركات: 1,795
شكراً: 2,188
تم شكره 1,891 مرة في 832 مشاركة
S.O.K.A مبدع بلا حدودS.O.K.A مبدع بلا حدودS.O.K.A مبدع بلا حدودS.O.K.A مبدع بلا حدودS.O.K.A مبدع بلا حدودS.O.K.A مبدع بلا حدودS.O.K.A مبدع بلا حدودS.O.K.A مبدع بلا حدودS.O.K.A مبدع بلا حدودS.O.K.A مبدع بلا حدودS.O.K.A مبدع بلا حدود

S.O.K.A غير متواجد حالياً

 
في المفضلة - افضل موضوع يمر علي في عالم النت .
تقرير من اروع مايكون شوقتني لزيارة اليمن , هذا الجانب الذي اظهرته للبلد لم يكن في بالي ابدا ولم اكن اتوقع بأنها بهذا الجمال والروعة والتاريخ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

It's Better To Be Safe Than To Be Sorry

 

 

 

http://wainty.com/kamalyat/ed1.gifhttp://wainty.com/kamalyat/ed2.gif
رد مع اقتباس

3 أعضاء قالوا شكراً لـ S.O.K.A على المشاركة المفيدة:

أنا فهمتكم, Klo Works, ss .

  #5  
قديم 05-08-2013
الصورة الرمزية M'
M'
The Weird One

 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
الدولة: 3>
المشاركات: 531
شكراً: 355
تم شكره 1,029 مرة في 352 مشاركة
M' يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليلM' يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليلM' يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليلM' يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليلM' يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليلM' يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليلM' يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليلM' يملك الكثير من الإبداعات لكنه يكتفي بالقليل

M' غير متواجد حالياً

 
-
ينفع أخذك بالحضن ؟! لقد صنعت يومي يارجل ,
اليمن بلد جميل .. ويزيد جمالاً ب أهله !
مرة ثانية .. عطني خبر نروح سوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


The True Outsider

 

 

 

http://wainty.com/kamalyat/ed1.gifhttp://wainty.com/kamalyat/ed2.gif
رد مع اقتباس

3 أعضاء قالوا شكراً لـ M' على المشاركة المفيدة:

أنا فهمتكم, ss ., علياء المقدسية

  #6  
قديم 05-09-2013
الصورة الرمزية أنا فهمتكم
أنا فهمتكم
كُلُّ الذي فوقَ التّرَابِ.. تُرَابُ.

 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
الدولة: الولايات المتحدة العربية
المشاركات: 3,049
شكراً: 5,589
تم شكره 8,778 مرة في 2,092 مشاركة
أنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعة
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى أنا فهمتكم

أنا فهمتكم غير متواجد حالياً

 
جزيل الشُكر للجميع، شكراً لكم جزيلاً اشتغلت على الموضوع لمدة 3 أيام حتى إني سحبت على الشغل عشانه والحمد لله إن حد قرأه.

اقتباس:
هذه تحتاج الى جلسه راقية مع الشاي و ضوء خافت..... توقفت بسبب انه الصور اختفت شكله من عندي....
أيوه الموضوع يحتاج لبضعة دقائق حتى يظهر بالكامل إذا سرعة النت حقك متواضعة، أتمنى يعجبك.

اقتباس:
بالنسبة لي زرت بلدي مرتين وانا صغير جدا.... واتمنى زيارتها مره اخرى...... لكن الاهل يعارضون الامر
إنت يمني؟ من أي منطقة بالضبط؟

اقتباس:
في المفضلة - افضل موضوع يمر علي في عالم النت .
تقرير من اروع مايكون شوقتني لزيارة اليمن , هذا الجانب الذي اظهرته للبلد لم يكن في بالي ابدا ولم اكن اتوقع بأنها بهذا الجمال والروعة والتاريخ
شاكر لك، هي أكثر من ذلك لكن وقتي ضيق للأسف بسبب التزاماتي في العمل ما قدرت آخر عطلة أكثر من شهر لكن إن شاء الله لي رحلات جاية ناوي أزور أماكن كثيرة ما زرتها نفس مُحافظات مأرب والمحويت وريَمة والمهرة وجزيرة سُقطرى في حضرموت وجزيرة كمران في الحُديدة والكثير غيرهم، إذا رحت مرة ثانية إن شاء الله بأحط تقرير ثاني مع العلم إن المناطق اللي زرتها كلها كانت زيارات على عُجالة يعني صنعاء مثلاً مليانة بالمناطق الجميلة والأثرية إن شاء الله تزورهم كلهم.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة M' مشاهدة المشاركة
- ينفع أخذك بالحضن ؟! لقد صنعت يومي يارجل ,
اليمن بلد جميل .. ويزيد جمالاً ب أهله !
مرة ثانية .. عطني خبر نروح سوا
أشكرك جزيل الشُكر، أنت الجميل. أبشر إن شاء الله نطلع سوا ههههه..
الجميل في اليمن أن الجميع يستمتع بها سواءاً عائلات أو شباب وحتى إذا طلعوا بنات لحالهم، الدنيا أمان الحمد لله.


تفضلوا الصور البانورامية بحجمها الطبيعي:
قلعة القاهرة - تَعِز: http://i.imgur.com/RRX0Xcr.jpg
مسجد أبان - عدن: http://i.imgur.com/DwPU5ja.jpg
قرية الحوطة - شبوة: http://i.imgur.com/26bO3NC.jpg
جِبال الحوطة - شبوة: http://i.imgur.com/h2c7RmR.jpg
ساحل الشقّين - حضرموت: http://i.imgur.com/tntdpCe.jpg
مدينة شبام - حضرموت: http://i.imgur.com/irRW6Sw.jpg

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


.You are the time period between birth and death

 

 

 

http://wainty.com/kamalyat/ed1.gifhttp://wainty.com/kamalyat/ed2.gif
رد مع اقتباس

3 أعضاء قالوا شكراً لـ أنا فهمتكم على المشاركة المفيدة:

Orshlem, ss ., علياء المقدسية

  #7  
قديم 05-09-2013
الصورة الرمزية علياء المقدسية
علياء المقدسية
.... ,Veni, vidi

 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
العمر: 27
المشاركات: 3,664
شكراً: 9,693
تم شكره 8,539 مرة في 2,372 مشاركة
علياء المقدسية مبدع بلا حدودعلياء المقدسية مبدع بلا حدودعلياء المقدسية مبدع بلا حدودعلياء المقدسية مبدع بلا حدودعلياء المقدسية مبدع بلا حدودعلياء المقدسية مبدع بلا حدودعلياء المقدسية مبدع بلا حدودعلياء المقدسية مبدع بلا حدودعلياء المقدسية مبدع بلا حدودعلياء المقدسية مبدع بلا حدودعلياء المقدسية مبدع بلا حدود

علياء المقدسية غير متواجد حالياً

 
ماشاء الله اللهم بارك، رحلة جميلة لبلد عظيم ورجعت بصور لأماكن موغلة في القدم
أحيانا وانا أقرأ حسيت اني معكم، ماكان ودي أخلص
تجربة ثرية، الأماكن، الناس، الأثار just wow
الله يكتب لكم زيارات أخرى

اقتباس:
مرة ثانية .. عطني خبر نروح سوا
اقتباس:
أشكرك جزيل الشُكر، أنت الجميل. أبشر إن شاء الله نطلع سوا ههههه..
وأنا بعد

 

 

http://wainty.com/kamalyat/ed1.gifhttp://wainty.com/kamalyat/ed2.gif
رد مع اقتباس

2 أعضاء قالوا شكراً لـ علياء المقدسية على المشاركة المفيدة:

أنا فهمتكم, ss .

  #8  
قديم 05-09-2013
RAP GAME

 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 58
شكراً: 112
تم شكره 170 مرة في 48 مشاركة
RAP GAME عطاءه مستمرRAP GAME عطاءه مستمرRAP GAME عطاءه مستمر

RAP GAME غير متواجد حالياً

 
ماشاء الله عليك .. من أجمل تقارير الرحلات اللي قرأتها على الانترنت فعلاً التدوين و التوثيق موهبه.
استمتعت جداً بالصور و الاماكن و اختلاف العادات بين مكان و الثاني ,, و الله عليك يا صنعا القديمه يوم شفت صورها طرا على بالي الشاعر اللي يقول :
خذ عزيز البز من زين القماش // و الردي لو كان يعطونك بـلاش
ما يفيدك كيف تاخذ شي ماش // بيعة المغبـون منها يستقـــيل
دور الطيب و لو غال الثمن / لو يكون الــقصد في صنعا اليمن
لا تغرك صقلة الوجه الحسن // ابذل المجهود بالمـــال الجزيل

و ذكرتني بصديق عزيز من الساده آل المحضار كان يتكلم بشغف عن زياراته لليمن .. بس فعلاً الصوره تغني عن ألف كلمه .. المناطق الساحليه في اليمن لها جاذبيه خاصه و مغريه للزياره.

بارك الله فيك و سلمت يمناك على التوثيق و الحمدلله على سلامة الأسفار .

 

 

http://wainty.com/kamalyat/ed1.gifhttp://wainty.com/kamalyat/ed2.gif
رد مع اقتباس

4 أعضاء قالوا شكراً لـ RAP GAME على المشاركة المفيدة:

أنا فهمتكم, Orshlem, ss ., علياء المقدسية

  #9  
قديم 05-10-2013
الصورة الرمزية أنا فهمتكم
أنا فهمتكم
كُلُّ الذي فوقَ التّرَابِ.. تُرَابُ.

 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
الدولة: الولايات المتحدة العربية
المشاركات: 3,049
شكراً: 5,589
تم شكره 8,778 مرة في 2,092 مشاركة
أنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعةأنا فهمتكم سيء السمعة
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى أنا فهمتكم

أنا فهمتكم غير متواجد حالياً

 
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة علياء المقدسية مشاهدة المشاركة
ماشاء الله اللهم بارك، رحلة جميلة لبلد عظيم ورجعت بصور لأماكن موغلة في القدم
أحيانا وانا أقرأ حسيت اني معكم، ماكان ودي أخلص
تجربة ثرية، الأماكن، الناس، الأثار just wow
الله يكتب لكم زيارات أخرى
إن شاء الله تزوري البلاد وتعجبش، والله إن الناس هناك ينبسطوا آخر انبساط لما يشوفوا عرب يزوروها لأول مرة، كل واحد يحس بالفخر إن فيه ناس بيتعرفوا على منطقته ومستعد يعمل أي شيء عشان يحسن ضيافتهم حتى وإن كانت حالته المادية تعبانة، وأحلى شي إن البلد بطولها وعرضها ما فيها مغازلة أبداً وهذا شيء استغربته لأني متعود على العكس.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة RAP GAME مشاهدة المشاركة
ماشاء الله عليك .. من أجمل تقارير الرحلات اللي قرأتها على الانترنت فعلاً التدوين و التوثيق موهبه.
استمتعت جداً بالصور و الاماكن و اختلاف العادات بين مكان و الثاني ,, و الله عليك يا صنعا القديمه يوم شفت صورها طرا على بالي الشاعر اللي يقول :
خذ عزيز البز من زين القماش // و الردي لو كان يعطونك بـلاش
ما يفيدك كيف تاخذ شي ماش // بيعة المغبـون منها يستقـــيل
دور الطيب و لو غال الثمن / لو يكون الــقصد في صنعا اليمن
لا تغرك صقلة الوجه الحسن // ابذل المجهود بالمـــال الجزيل

و ذكرتني بصديق عزيز من الساده آل المحضار كان يتكلم بشغف عن زياراته لليمن .. بس فعلاً الصوره تغني عن ألف كلمه .. المناطق الساحليه في اليمن لها جاذبيه خاصه و مغريه للزياره.

بارك الله فيك و سلمت يمناك على التوثيق و الحمدلله على سلامة الأسفار .
أحسنت بارك الله فيك، جميلة الأبيات عجبتني. إن شاء الله إنت بعد تسافر وتشوف البلاد مع الأهل بتستمتعوا فيها على ضمانتي إذا تحب السواحل عندك جزيرة سُقطرى خيالية لكن مُناسبة للزيارة خلال شهرين فقط نهاية السنة، باقي السنة تجيها أعاصير - مبسوط إن التقرير عجبك، شكراً لك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


.You are the time period between birth and death

 

 

 

http://wainty.com/kamalyat/ed1.gifhttp://wainty.com/kamalyat/ed2.gif
رد مع اقتباس

الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ أنا فهمتكم على المشاركة المفيدة:

علياء المقدسية

  #10  
قديم 05-10-2013
ممنوع
Carnival Brain

 
تاريخ التسجيل: May 2013
المشاركات: 322
شكراً: 304
تم شكره 264 مرة في 116 مشاركة
ممنوع عطاءه مستمرممنوع عطاءه مستمرممنوع عطاءه مستمر

ممنوع غير متواجد حالياً

 
عجيب بالفعل طول ما أنا أقرا الموضوع وجهي كذا
و كذا بخصوص إن اسم جدة أبوك جبرة
و ما ادري هل هي رابطتك الروحية بهذه الأرض الي أثارت قريحتك و لا بركات القات
بس إذا تبي رايي لا تطب مكان بدون دفتر و قلم (و شوية قات إذا كان مافي بد (
لو إنك ذكرت تفاصيل زيادة حتى كان شكل هذا الموضوع كتيب ممتاز مو بس تفاصيل الرحلة بس طبعا في بعد مميز لأنها أرضك و كيف جمع الشمل أخيرا مع ناسك و أهلك
جدا رائع الموضوع
بس من جد عجيب الفتنة و السحر الي يلف هذا المكان
و ناس عجيبة صراحة فيه تنوع عجيب في المجتمع يعني من جد شيء مثير للإهتمام
ما كنت أدري إن اليمن بهذا الجمال
أصلا على طول و أنا أقرا اقترحت انروح لها مع أهلي
طبعا هوجمت هجوم جماعي من أمي و اخواني
بس أبوي قال لو راح مره بيوديني معاه
بس عندي إحساس إنه يسكتني
إن شا الله راح نرا فجر التنمية في هذي البلاد قريبا يا رب
بس أتمنى هذي التنمية تكون حكيمة و ما تذهب بسحر البلد الفريد من نوعه
يعني يا أخي بحرهم حلو من جد
الخليج لعبو فيه يقصرونه و يطولونه أظن نصه مردوم
ما تحس في كثير من الأحيان بجمال البحر في الكورنيش
و بخصوص بعض و ربما نص السعوديين الي شايفين نفسهم ما أدري على إيش مالت على ابليس ما أقول إلا الله يخزيهم زي ما فشلونا أمام الأمم
و سلامتك
و ابعد عن القات تراه يموت القلب و إذا مات القلب راحت المروءة و إذا راحت المروءة ذهبت الأوطان
....


التعديل الأخير تم بواسطة ممنوع ; 05-10-2013 الساعة 10:16 PM

 

 

http://wainty.com/kamalyat/ed1.gifhttp://wainty.com/kamalyat/ed2.gif
رد مع اقتباس

4 أعضاء قالوا شكراً لـ ممنوع على المشاركة المفيدة:

أنا فهمتكم, LOCK, Orshlem, علياء المقدسية


إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


1, 2, 3, 4, المجتمع, الزاوية الجادة, ايمان, ينبوع المفكرين, الويب, مكسات, جيم ماستر , التصميم , العاب, الأنيمي, الوينتي, واينتي, الواينتي, مجتمع مكسات; إلحاد إيمان; علم وأفكار; الواينتي; الوانتي; wainty; الزاوية الجادة; أنيمي; مجتمعات الويب; مجتمع ترايدنت; البوابة الرقمية; المترجمين العرب; أخبار الالعاب; المنتديات العربية; الوينتي; انتقاد المنتديات;